تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4328

مساهمون:

ص٤٣٢٨
من التقوى . ولكنه شبه عليه الأمر ، فظن لجهله أن الشريعة المطهرة هي ما يحفظه بعض الممارسين للخصومات من تلك القوانين التي قد وقع الاصطلاح عليها ، قأقدم على الحكم إقدام من جهل الحكم الشرعي وجهل أنه جاهل به ، وهذا القاضي لا فرق بينه وبين من يتكسب بالوكالة للخصوم في ديارنا هذه ، فإن من كان من المتخاصمين غير قادر على الخصومة يقصد رجلاً من الممارسين للخصومة فيجعله وكيلاً له ، ويسلم له أجرًا ؛ لأنه ظن أن ذلك الوكيل يعرف الشريعة ، وأنه سيكفيه مؤونة الخصام ؛ فلهذا بذل له ماله وألقى إليه مقاليد أمره ، وذلك الوكيل قد ظن أن الشريعة هي تلك المسالك الاصطلاحية التي قد مارسها وتمرن فيها ، فصدر نفسه للوكالة ، وتكلم في مواقف الخصام بملء فيه ، كما ظن ذلك القاضي الجاهل بأنه قد علم بالشريعة المطهرة بمجرد حضوره في مواقف الخصام قبل أن يصير قاضيًا ، أو بمجرد اطلاعه على مختصر من المختصرات المدونة في هذا الشأن ، ولو رجع إلى عقله واستعان بفهمه ، لعَلِمَ [ 3 ب ] أن الشريعة المطهرة هي ما شرعه الله في محكم كتابه وعلى لسان رسوله ، وأنه لا يعرف ذلك ، فإنه لو قال له قائل : هل قرأت العلوم التي يتوقف معرفة كلام الله وكلام رسوله على معرفتها ؟ لقال : لا ، ولو قال له قائل : هل تروي سنة رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - عن شيوخها العارفين بها ، وهل قعدت بين أيديهم ، وسمعت منهم متونها وأسانيدها ، واستوضحت معانيها ؟ لقال : لا ، ولو قال له قائل : هل أخذت علم تفسير كتاب الله عن شيوخه العارفين به ؟ لقال : لا ، فلم يبق حينئذ إلا أن يقول : حضرت مواقف الخصومة لدى القاضي الفلاني ، فرأيته يصنع كذا ، وسمعته يقول كذا ، أو حضرت في قراءة المختصر الفلاني ففهمت منه كذا ، وعرفت منه كذا . فإذا قيل له : هل تعلم أن هذا الذي كان يفعله القاضي الفلاني أو رأيته في المختصر الفلاني هو حكم الله الذي شرعه لعباده ، وعلى لسان رسوله فلا بد أن يقول : لا أدري ؛ لأن المفروض أنه جاهل به ، بل لو كان من المقلدين الممارسين لكتب التقليد ممارسة طويلة لم يقدم على هذه المقالة ؛ لأن المفروض أنه مقلد ، والمقلد هو من يقبل قول