صاحبها من جملة أعوان الظلمة ، وسمع ذلك منهم عامة رعاع يغشون مجالس مثلهم من القصاص ، مع خلو هؤلاء السامعين عن الورع ، وتعطلهم عن علم الشرع ، فأخذوا تلك المواعظ على ظاهرها ، وقبلوها حق قبولها ، لخلو أذهانهم عن وازع الشرع والعقل والورع ، فصار بين هذين النوعين من الجهل ما يملأ الخافقين .
ولأمر ما كان كثير من السلف يمنعون الذين يقصون على الناس ، ويتصدرون لوعظهم ، وتذكرهم بما هم عليه من جهل بالشريعة ، وبما يرتكبونه من إيراد الأحاديث المكذوبة ، والقصص الباطلة ، وإن عليهم أن يقصروا عن ذلك ، ويكلوا ذلك إلى علماء الكتاب والسنة ، الذين يدعون الناس إلى حق هو معلوم لديهم ، وشرع هو صحيح عندهم .
والصنف الثاني : جماعة لهم شغلة بالعلم ، وأهلية له [ 3 ب ] ، وأرادوا أن يكون لهم من المناصب الدينية ، التي قد صارت بيد غيرهم ما ينتفعون به في دنياهم ، فأعوزهم ذلك ، وعجزوا عنه ، فأظهروا الرغبة عنه ، وأنهم تركوه اختيارًا ورغبة ، وتنزهًا عنه ، وضربت ألسنهم بسبب أهل المناصب الدينية ، وثلب أعراضهم ، والتنقص بهم ، وأظهروا أنهم إنما تركوا ذلك لأن فيه مداخلة للملوك ، وأخذ بعض من بيوت الأموال ، وأن أهل المناصب قد صاروا أعوانًا للظلمة ، ومن الآكلين للسحت ولا حامل لهم على ذلك إلا مجرد الحسد والبغي ، والتحسر على أن يكونوا مثلهم ، فوضعوا أنفسهم موضع أهل التعفف عن ذلك ، والتورع عنه بنيات فاسدة ، ومقاصد كاسدة ، مع ما في ذلك من الدخول في خصلة من خصال النفاق ، والوقوع في معرة بلية الرياء ، والولع بالغيبة المحرمة ، بغير سبب وبغير حق ، وأدخلوا أنفسهم في هذه المصائب والمثالب والمعاصي والمخازي والجرائم والمآثم على علم منهم بتحريمها ، وكما قال القائل :
يدعو وكل دعائه . . . ما للفريسة لا تقع
عجل بها يا ذا العلا . . . إن الفؤاد قد انصدع
وقد عرفنا من هذا الجنس جماعات ، وانتهت أحوالهم إلى بليات ، وعرفنا منهم من
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4673
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص٤٦٧٣