تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4674

مساهمون:

ص٤٦٧٤
ظفر بعد استكثاره من هذه البليات ، بمنصب من المناصب ، فكان أشر أهل ذلك المنصب ، وبلغ في التكالب على الحطام ، والتهافت على الجرائم ، إلى أبلغ غاية . ومنهم من جالس - بعد مزيد من التعفف ، وكثرة التقاعس - ملكًا ، أو قريب ملك أو صاحب ملك ، فصار يطربهم بما لا يستحل بعضه فضلاً عن كله - من له أدنى وازع من دين ، بلا أدنى زاجر من عقل ، بل عرفنا منهم من صار نمامًا ، وضعه من يتصل به لنقل أخبار الناس إليه ففعل ، ولكن لم يقتصر على نقل ما سمع ، بل جاوز ذلك إلى التزيد عليه بالزور والبهت ، حتى يجعل ذلك الذي وضعه للنقل عدوًا عظيمًا لمن لا ذنب له ، ولا قال بعض ما كذب عليه ، فضلاً عن كله . وبالجملة ، ما جربنا واحدًا من هذا الصنف ، إلا وكشفت الأيام عن باطن مخالف ما كان يظهره ، وقول وفعل ينافي مما كان يشتغل به أيام تعطله [ 4 أ ] ، فليأخذ المتحري لدينه حذره منهم ، ولا يركن عليهم في شيء من الأعمال الدينية ، كائنًا ما كان . فإن قلت : إذا أظهر ظهورًا بينًا ، أن بعض المداخلين يعينه على ظلمه بيده أو لسانه ، أو يسوغ له ذلك ، أو يظهر من الثناء عليه ما لا يجوز إطلاقه على مثله . قلت : من كان هكذا ، فهو من جنس الظلمة ، وليس من الجنس الذي قدمنا ذكره من المداخلين لهم . والظلم ، كما يكون باليد ، يكون باللسان وبالقلم ، وقد يكون ذلك أشد . وكلامنا فيمن يتصل بهم ، غير معين لهم ما لا يحل ، ولا مشارك لهم بيد ولا لسان بل يكون رجلاً مقصده بالاتصال بهم . [ مقاصد الاتصال بالسلاطين ] الاستعانة بقوتهم على إنفاذ حكم الله عز وجل . وعلى الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، بحسب الحال ، وبما تبلغ إليه الطاقة . مثلاً إذا كان العالم ينكر ما يراه من المنكرات على الرعايا ، ولا يقدر على ذلك ، إلا إذا كان له يد من السلطان ، يستعين بها على ذلك ، فهذا خير كبير ، وأجر عظيم .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4674 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق