القضاء ( 1 ) أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدًا ، فإنه قال : والاجتهاد في الأصح . فهذا المقلد ليس بقاض بنص الأزهار ، كما أنه مخطئ في إنكاره على من يخالف الأزهار من المجتهدين بنص الأزهار ، وهو أيضًا مخطئ في إنكاره على اجتهادات المجتهدين بنص الأزهار فإنه قال في كتاب السير ( 2 ) : في فضل إنكار المنكر : ( ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه ) ( 3 ) ، وهذا المقلد قد نصب نفسه لإنكار اجتهاد ذات المجتهدين تلبيسًا على
هامش
( 1 ) ( 3 / 439 - مع السيل ) .
قال الشوكاني في " السيل الجرار " ( 3 / 448 ) : والحاصل أن نصب المقلد للحكم بين عباد الله إذن له بالحكم بالطاغوت لأنه لا يعرف الحق حتى يحكم به ، وما عدا الحق فهو طاغوت ، ولو قدرنا أنه أصاب الحق في حكمه لكان قد حكم بالحق وهو لا يعلم به . فهو أحد قاضيي النار ، وإن حكم بغير الحق فهو القاضي الآخر من قضاة النار .
ثم قال الشوكاني وقد ثبت عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن من علامات القيامة أن يتخذ الناس رؤساء جهالاً يفتون بغير علم فيضلون ويضلون ورأس الرياسات الدينية هو القضاء بلا شبهة .
أخرج البخاري رقم ( 100 ) ومسلم رقم ( 13 / 2673 ) من حديث عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالاً ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " .
( 2 ) قال الشوكاني في " السيل الجرار " ( 3 / 791 مع السيل ) .
( 3 ) قال الشوكاني في " السيل الجرار " ( 3 / 794 ) : قوله : " ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه " .
أقول : هذه المقالة قد صارت أعظم ذريعة إلى سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهما بالمثابة التي عرفناها - العمل بهما واجب بإجماع الأمة ، وهما العمادان العظيمان من أعمدة هذا الدين والركنان الكبيران من أركانه - وقد وجب بإيجاب الله عز وجل ، وبإيجاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذه الأمة الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع ، والنهي عما هو منكر من منكراته ، ومعيار ذلك الكتاب والسنة ، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفًا . وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكرًا .
وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولاً ، ثم على العامل به ثانيًا . وهذه الشريعة الشريفة التي أمرنا بالأمر بمعروفها والنهي عن منكرها هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة .
وأما ما حدث من المذاهب فليست بشرائع مستجدة ، ولا هي شرائع ناسخة لما جاء به خاتم النبيين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وإنما هي بدع ابتدعت وحوادث في الإسلام حدثت ، فما كان منها موافقًا للشرع الثابت في الكتاب والسنة فقد سبق إليه الكتاب والسنة ، وما كان مخالفًا للكتاب والسنة فهو رد على قائله مضروب به في وجهه كما جاءت بذلك الأدلة الصحيحة التي منها " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " - تقدم تخريجه .
فالواجب على من علم بهذه الشريعة ، ولديه حقيقة من معروفها ومنكرها أن يأمر بما علمه معروفًا ، وينهى عما علمه منكرًا ، فالحق لا يتغير حكمه ، ولا يسقط وجوب العمل به ، والأمر بفعله ، والإنكار على من خالفه بمجرد قول قائل أو اجتهاد مجتهد أو ابتداع مبتدع .
فإن قال تارك الواجب ، أو فاعل المنكر : قد قال بهذا فلان ، أو ذهب إليه فلان أجاب عليه بأن الله لم يأمرنا باتباع فلان ، بل قال لنا في كتابه العزيز { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } [ الحشر : 7 ] فإن لم يقنع بهذا حاكمه إلى كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما أمرنا الله سبحانه في كتابه بالرد إليهما عند التنازع .
قال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } [ النساء : 59 ] .