فضائله ومناقبه ، والموازنة بينه وبين من يبلغ رتبة الاجتهاد في عصر هؤلاء المقلدين ، فإن هذا [ 4 ] خروج عن محل النزاع ، ومغالطة قبيحة . وما أسرع نفاقها عند العامة ! لأن أفهامهم قاصرة عن إدراك الحقائق ، والحق عندهم يعرف بالرجال . وللأموات في صدورهم جلالة وفخامة . وطبائع المقلدين قريبة من طبائعهم ، فهو إلى قبول أقوالهم أقرب منهم إلى قبول أقوال العلماء المجتهدين ؛ لأن المجتهدين قد باينوا العامة ، وارتفعوا إلى رتبة تضيق أذهان العامة عن تصورها ، فإذا قال المقلد مثلاً : أنا أحكم بمذهب الشافعي ، وهو أعلم من هذا المجتهد المعاصر لي ، وأعرف بالحق منه ، كانت العامة إلى تصديق هذه المقالة والإذعان لها أسرع من السيل المنحدر ، وتنفعل أذهانهم لذلك أكمل انفعال .
فإذا قال المجتهد مجيبًا على ذلك المقلد : إن محل النزاع هو الموازنة بيني وبينك ، لا بيني وبين الشافعي ، فإني أعرف العدل والحق ، وما أنزل الله ، وأجتهد رأيي إذا لم أجد في كتاب الله وسنة رسوله نصًا ، وأنت لا تعرف شيئًا من ذلك ، ولا تقدر على أن تجتهد رأيك ، إذ لا رأي لك ، ولا اجتهاد ؛ لأن اجتهاد الرأي هو إرجاع الحكم إلى الكتاب والسنة بالمقايسة ، أو بعلاقة يسوغها الاجتهاد ، وأنت لا تعرف كتابًا ولا سنة ، فضلاً عن أن تعرف كيفية الإرجاع إليهما [ 5 ] بوجه مقبول . كان هذا الجواب الذي جاء به المجتهد مع كونه حقًا بحتًا بعيدًا عن أن تفهمه العامة ، أو تذعن لصاحبه .
ولهذا ترى في هذه الأزمان الغريبة الشأن ما ينقله المقلد عن إمامه أوقع في النفوس مما ينقله المجتهد من كتاب الله وسنة رسوله [ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ] ، وإن جاء من ذلك بالكثير الطيب ، وقد رأينا وسمعنا ما لا نشك أنه من علامات القيامة على أن كثيرًا من المقلدين قد ينقل في حكمه أو فتواه عن مقلد مثله قد صار تحت أطباق الثرى ، وإمامه عنه براء ، فيجول ويصول وينسب ذلك إلى مذهب الإمام ، وينسب من يأتي بما يخالفه من كتاب أو سنة إلى الابتداع ، ومخالفة المذهب ، ومباينة أهل العلم ، وهو لو ارتفعت رتبته عن هذا الحضيض قليلاً لعلم أنه هو المخالف لإمامه لا الموافق له . ولنوضح هذا بشيء يعرفه
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4489
مساهمون: محمد بن علي الشوكاني
ص٤٤٨٩