تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 2936

مساهمون:

ص٢٩٣٦
ولا يشك أن الخطبة من ذكر الله ، وقصر الذكر على الصلاة محتاج إلى دليل فما هو ؟ . أقول : إذا كان الواجب المدعو إليه هو الذكر الذي هو الخطبة ، والذكر الكائن في الصلاة ، فمن أين الإجمال سلمنا ، فكل واحدة من الخطبة والصلاة مأمور بالسعي إليها على طريق الاستقلال ، فكل واحد منهما واجب مستقل ، فمن أدرك الواجبين فقد أدركهما ، من أدرك أحدهما فقد أدركه ، فمن أين للمدعي شرطية أحدهما للآخر ، أو شطريته ؟ والبرهان على ذلك وهذا هو محل النزاع ، ولا سبيل له إلى ذليل يدل على أن خطبة الجمعة شرط لصلاة الجمعة ، كما أنه لا سبيل له إلى تصحيح دعوى أن الخطبة شطر للصلاة ، بعد تسليمه أنها صلاة مستقلة بتحريم ، وتحليل ، وأذكار ، وأركان . فخلاصة ما يستفاد من الآية التي فيها الأمر بالسعي هو وجوب السعي ، لا وجوب ما إليه السعي . ولو سلمنا أن وجوب الوسيلة بعلوم وجوب المتوسل إليه ، فغاية ما هناك أنه يجب على الساعي استماع الخطبة ، وهذا واجب مستقل ، وفعل الصلاة ، وهذا أيضًا واجب مستقل . فما الذي تقيده هذه الآية ؟ غير هذا ، وهو كون أحد الواجبين المنفصل أحدهما عن الآخر شرطا له أو شطرا له حتى يكون سماع الخطبة مؤثرا عدمه في عدم الصلاة . فالحاصل أن المطلوب منه - عافاه الله - أن يبين ؛ أولا الإجمال الذي ادعاه ، ثم يوضع دليل الوجوب ، ثم يبرهن على أن الخطبة داخلة في المدعو إليه ، فإن الذي فهمه الصحابة فمن بعدهم أن الدعاء بالآية الكريمة ، إنما هو إلى الصلاة [ 4 ب ] . ثم يبين أن الخطبة شرط للصلاة ، أو شطر لها ، حتى يصح ما ادعاه من أن من فاتته الخطبة لم يعتد بصلاة الجماعة ، فإن هذا أعني عدم الاعتداد بالشيء لا يكون إلا لفوات شرطه أو شطره ، ومهما أمكنه بيان ما تقدم فلا يمكن بيان هذا الوجه الآخر بوجه من الوجوه ، وهو محل النزاع .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 2936 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق