تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 2087

مساهمون:

ص٢٠٨٧
فصاعدا فلا ريب أن ذلك من المباح أو المندوب ، الذي يكون ذريعة إلى الحرام ، فهو مندرج تحت القسم الثالث من الأقسام الستة التي أسلفنا ذكرها . وهذا على فرض أن الواحدة تعفه وتحصن [ 20 ] فرجه ، فإن كان لا يعفه إلا أكثر من واحدة مع تجويزه للميل الذي قد عرفه من نفسه فعليه أن يفعل ما هو أقل مفسدة لديه في غالب ظنه باعتبار الشرع . وبعد هذا فلا أحب لمن كان لا يحتاج إلى زيادة على الواحدة أن يضم إليها أخرى ، إلا إذا كان واثقا من نفسه بعدم الميل ، وعدم الاشتغال عما هو أولى به من أفعال الخير ، وعدم طموح نفسه إلى التكثر من الاكتساب ، واستغراق الأوقات فيه ، أو الاحتياج إلى الناس ، فلا ريب أن اتساع دائرة الأهل والولد وكثرة العائلة من أعظم أسباب إجهاد النفس في طلب الدنيا ، والاحتياج إلى ما في يد أهلها ، ولا سيما في هذه الأزمنة التي هي مقدمات القيامة ، بل قد ثبت في الأحاديث ( 1 ) الصحيحة ما يفيد أولوية
هامش
( 1 ) منها ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 2965 ) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي " . ومنها : ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2786 ) ومسلم ( 1888 ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رجل : أي الناس أفضل يا رسول الله ؟ قال : " مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله " قال : ثم من ؟ قال : " ثم رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه " . ومنها : ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1889 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله ، يطير على متنه ، كلما سمع هيعة أو خزعة ، طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه ، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف ، أو في بطن واد من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ، ليس من الناس إلا في خير " . ومنها : ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 7088 ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن " .