تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 2051

مساهمون:

ص٢٠٥١
سجود التلاوة في الصلاة ، حيث يقول مثلا الشافعي : " سجد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - للتلاوة في صلاة الفجر " ( 1 ) . فيقول المخالف له : زيادة على القطعي ، وهي لا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري رقم ( 1078 ) ومسلم رقم ( 110 / 578 ) من حديث أبي رافع ، قال : صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ : ( إذا السماء انشقت ) [ الانشقاق : 1 ] فسجد فقلت : ما هذه السجدة ؟ فقال : سجدت فيها خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه . قال ابن رشد في " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " ( 1 / 516 وما بعدها ) فأما حكم سجود التلاوة فإن أبا حنيفة وأصحابه قالوا : هو واجب . وقال مالك والشافعي : هو مسنون وليس بواجب ، وسبب الخلاف : اختلافهم في مفهوم الأوامر بالسجود ، والأخبار التي معناها معنى الأوامر بالسجود مثل قوله تعالى : ( إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ) [ مريم : 58 ] . هل هي محمولة على الوجوب أم على الندب ؟ فأبو حنيفة حملها على ظاهرها من الوجوب ، ومالك والشافعي اتبعا في مفهومها الصحابة ، إذ كانوا هم أقعد بفهم الأوامر الشرعية ، وذلك أنه لما ثبت أن عمر بن الخطاب قرأ السجدة يوم الجمعة ، فنزل وسجد الناس ، فلما كان في الجمعة الثانية وقرأها ، تهيأ الناس للسجود ، فقال : على رسلكم ، إن الله لم يكتبها علينا ، إلا أن نشاء ، قالوا : وهذا بمحضر الصحابة ، فلم ينقل عن أحد منهم خلاف ، وهم أفهم بمغزى الشرع وهذا إنما يحتج به من يرى قول الصحابي إذا لم يكن له مخالف حجة . وقد احتج أصحاب الشافعي في ذلك بحديث زيد بن ثابت أنه قال : " كنت أقرأ القرآن على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقرأت سورة الحج ، فلم يسجد ولم نسجد " . أخرجه البخاري رقم ( 1072 و 1073 ) ومسلم رقم ( 106 / 577 ) وأبو داود رقم ( 1404 ) والترمذي رقم ( 576 ) والنسائي ( 2 / 160 ) والدارقطني ( 1 / 410 رقم 15 ) والبيهقي ( 2 / 320 - 321 ) . وكذلك أيضًا يحتج لهؤلاء بما روي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنه لم يسجد في المفصل " أخرجه أبو داود رقم ( 1403 ) من حديث ابن عباس ، وهو حديث ضعيف . وبما روي أنه سجد فيها ، لأن وجه الجمع بين ذلك يقتضي ألا يكون السجود واجبا ، وذلك بأن يكون كل واحد منهم حدث بما رأى ، من قال : إنه سجد ، ومن قال : إنه لم يسجد . وأما أبو حنيفة : فتمسك في ذلك بأن الأصل هو حمل الأوامر على الوجوب ، والأخبار التي تتنزل منزلة الأوامر ، وقد قال أبو المعالي : إن احتجاج أبي حنيفة بالأوامر الواردة بالسجود في ذلك لا معنى له ، فإن إيجاب السجود مطلقا ليس يقتضي وجوبه مقيدا وهو عند القراءة ، أعني : قراءة آية السجود . قال : ولو كان الأمر كما زعم أبو حنيفة ، لكانت الصلاة تجب عند قراءة الآية التي فيها الأمر بالصلاة ، وإذا لم يجب ذلك فليس يجب السجود عند قراءة الآية التي فيها الأمر بالسجود من الأمر بالسجود . ولأبي حنيفة أن يقول : قد أجمع المسلمون على أن الأخبار الواردة في السجود عند تلاوة القرآن هي بمعنى الأمر ، وذلك في أكثر المواضع ، وإذا كان ذلك كذلك فقد ورد الأمر بالسجود مقيدا بالتلاوة - أعني : عند التلاوة - وورد الأمر به مطلقا فوجب حمل المطلق على المقيد ، وليس الأمر في ذلك بالسجود ، كالأمر بالصلاة ، فإن الصلاة قيد وجوبها بقيود أخرى ، وأيضا فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد سجد فيها ، فبين لنا بذلك معنى الأمر بالسجود الوارد فيها - أعني أنه عند التلاوة - فوجب أن يحمل مقتضى الأمر في الوجوب عليه " اه - .