تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
عَبْد السّلام ، وابن الحاجب أفتوا بقتله لِما اشتهر عنه من الإباحة ، وقذف الأنبياء والفسْق ، وترك الصّلاة . وقال الملك الصّالح أخو السّلطان : أَنَا أعرف منه أكثر من ذَلِكَ . وسجن الوالي جماعة من أصحابه ، وتبرّأ منه أصحابه وشتموه ، ثُمَّ طُلِب وحبِس بعِزتا ، فجعل ناس يترددون إليه فأنكرالفقهاء ، وأرسلوا إلى الوزير ابن مرزوق : إنْ لم تعمل الواجب فِيهِ وإلّا قتلناه نَحْنُ . وكان ابن الصّلاح يدعو عَلَيْهِ فِي أثناء كلّ صلاةٍ بالجامع جَهْرًا ، وكتب طائفةٌ من أصحابه غير محضرٍ بالبراءة منه . قلت : ومن كلامه المليح : دورت طول عمري على من ينصفني فوجدت فرد واحد ، فلمّا أنصفني ما أنصفتُه . وقال : أقمتُ شهرًا لا أفتر من الذّكْر ، فكنت ليلةً فِي بيتٍ مظلم فجفّ لساني ، ولم يبق فِي حركةٌ سوى أنيّ أسمع ذِكر أعضائي بسمعي . وقال : ما يحسن أن تكون العبادة هِيَ المعبود . وقال : أعلى ما للفقير الاندحاض . وكان الحريريّ يلبس الطّويل والقصير والمدوَّر والمفرَّج ، والأبيض والأسود ، والعمامة والمِئزَر والقَلَنْسُوَة وحدها ، وثوب المرأة والمطرّز والملوّن ، وسأله أصحابه لمّا حُبِس أن يسأل ويتشفَّع ، فلم يفعل ، فلمّا أقام أربع سنين زاد سؤالهم ، فأمرهم أن يكتبوا قَصّةً فيها : " من الخلق الضعيف إلى الرأي الشّريف ، ممّن هُوَ ذنب كلّه إلى من هُوَ عفْوٌ كلّه ، سبب هذه المكاتبة الضّعف عَن المعاتبة ، أصغر خَدَم الفقراء عليّ الحريريّ : فقيرٌ ولكن من صلاح ومن تُقَى . . . وشيخ ولكن للفُسُوق إمامُ " فسَعوا بالقَصَّة وأرادوا أن تصل إلى السّلطان ، فما قرأ أحد من الدولة القصة إلّا ورماها ، فبلغه ذَلِكَ ، فاحتدّ ، وقال : لأجل هذا ما أذنت لكم بالسعي . وأقام فِي عزتا ستَّ سنين وسبعة أشهر ، يعني فِي الحبْس ، وأصاب النّاسَ جدْبٌ ، وكان هُوَ - فِي ذَلِكَ الوقت - يركب الخيل العربيّة ويلبس الملبوس الجميل ، ولم يكن فِي بيته حصير ، وربّما تغطّى هُوَ وأهلُه بجِلّ الفَرَس . وقال : نسجت ثوب حرير يلبس كما جرت العوائد والثوب كالثياب المعتادة بالتخاريس والأكمام والنيافق ، والكل نسيج لم يدخل فِيهِ خَيْطٌ ولا إبْرة ، فلمّا فرغ وزفوه