عَلَى أَنَّهُ يخلق شيئًا بلا حكمة تعالى اللَّه عَن ذَلِكَ " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ ترْجَعُونَ " .
وقال أبو الحسن علي بن أنجب ابن السّاعي فِي " تاريخه " : الفقير الحريريّ الدّمشقيّ شيخ عجيب الحال ، لَهُ زاوية بدمشق يقصده بِهَا الفقراء وغيرهم من أبناء الدّنيا ، وكان يُعاشر الأحداث ويَصْحبهم ويقيمون عنده ، وكان النّاس يُكثرون القول فِيهِ ، وينسبونه إلى ما لا يجوز ، حتّى كَانَ يقال عَنْهُ إنّه مُباحيّ ، ولم تكن عنده مراقبة ولا مبالاة ، بل يدخل مَعَ الصّبيان الأحداث ، ويعتمد معهم ما يسمّونه تخريبًا ، والفقهاء يُنكرون فِعْله ، ويوجّهون الإنكار نحوه ، حتى إنّ سلطان دمشق أخذه مِرارًا وحبسه ، وهو لا يرجع عَن ذَلِكَ ويزعم أَنَّهُ صحيح فِي نفسه . وكان لَهُ قَبُول عظيم لا سيّما عند الأحداث ، فإنّه كَانَ إذا وقع نظره عَلَى أحدٍ من الأحداث سواء كَانَ من أولاد الأمراء أو أولاد الأجناد أو غيرهم يحسن ظنّه فِيهِ ، ويميل إِلَيْهِ ، ولا يعود ينتفع بِهِ أهله ، بل يلازمه ويقيم عنده اعتقادًا فِيهِ .
وكان أمره مشكلًا ، والله يتولّى السّرائر . ولم يزل عَلَى ذَلِكَ إلى حين وفاته . وكان فِيهِ لُطف . وله شِعر ، فمنه :
كم تتعبني بصحبة الأجساد . . . كم تسهرني بلذّة الميعاد
جُد لي بمُدامة تقوّي رَمَقي . . . والجنّة جُد بِهَا عَلَى الزّهّاد
وقال الإِمَام أَبُو شامة : الشَّيْخ عَلِيّ الحريريّ المقيم بقرية بُسْر ، كَانَ يتردّد إلى دمشق ، وتبِعه طائفة من الفقراء المعروفين بالحريريّة أصحاب الزِّيّ المنافي للشّريعة وباطنهم شر من ظاهرهم ، إلا من رجع إلى الله منهم .
وكان عند هذا الحريريّ من القيام بواجب الشّريعة ، ما لم يعرفه أحد من المتشّرعين ظاهرًا وباطنًا ، ومن إقامة شرائع الحقيقة ما لم يكن عند أحد فِي عصره من المحافظة عَلَى محبّة اللَّه وذِكره والدّعاء إِلَيْهِ والمعرفة بِهِ . وأكثر النّاس يغلطون فِي أمره الظّاهر وفي أمره الباطن . ولقد أفتى فِيهِ مشايخ العلماء
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 524
مساهمون: الذهبي
ص٥٢٤