تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
الرأي والرفق وعدم العَسف . وَكَانَ يستحضر التُّجَّار ويكشف منهم أخبار الممالك النائية ، وفي بعض الليالي قال لي ابن يَعْلَى وزير الملك الظاهر غازي : إِنَّ السُّلْطَان الليلة مهموم ؛ لِما اتصل بِهِ من أخبار خُوَارِزْم شاه وطمعه في الشَّام . فَقُلْتُ لَهُ : هَذَا سعادة للسُّلطان ولك ولي . قَالَ : وكيف ؟ قُلْتُ : هَذَا مَلِكٌ واسع الدّائرة لَا يقدر أن يقيم بالشام ، وغَرَضه القهر والاستيلاء ، وسُلطاننا فيه مَلق وحُسن تودّد ومُداراةٍ ، فَإِذَا قرب لاطفه وأتحفه ، فَإِذَا استولى عَلَى ممالك الشَّام لم يجد من يستنيبه عليها سواه . قَالَ : وكيف عرفت هَذَا ؟ قُلْتُ : من التُّجَّار . فَلَمَّا أصبح قصّ عَلَيْهِ ما جرى فسُرّي عَنْهُ ، وأمرَ أن يُحقّق ذَلِكَ ، فاستدعى بتاجر خبير بغدادي وحادثه ، فزعم أَنَّهُ حاضره وبايعه ، وذكر من أحواله أَنَّهُ يبقى أربعة أيام أَوْ نحوها عَلَى ظهر فَرسِهٍ ولا ينزل ، وإنما ينتقل من فرس إلى فرس ، ويتضمر ، ويطوي البلاد . وَأَنَّهُ ربّما أتَى البلد الَّذِي يقصده في نفرٍ يسير فيهجُمُه ثُمَّ يُصبحه من عسكره عشرة آلاف ويمسيه عشرون ألفًا ، وفي كثير من الْأوقات يأتي المدد وقد قضى الحاجة بنفسه . وفي كثير من الأوقات يبعث البعوث ويأتي أخيرًا وقد قضيت الحاجة أولًا . وربما هَجَم البلد في نفر دون المائة فيقضي حاجته ، وربما قَتل ملك ذَلِكَ البلد أَوْ أسره ثُمَّ تتدفق جموعه . وَقَالَ : إن سرجه ولجامه لَا تبلغ قيمتها دانقًا ، ولا تبلغ قيمة ثيابه دانقين . وحكى أَنَّهُ في بعض غاراته نزل بأصحابه آخر الليل وكانوا نحو سبعين فارسًا ، فأمرهم بالهجعة ، وأخذ خيلهم يسيّرها بعدما استقى من بئر وسقى الجميع ، فَلَمَّا علِم أَنَّهُم قد أخذوا من النوم بنصيبٍ أيقظ بعضهم وأمرهم بالحراسة ، ثُمَّ هجع يسيرًا ، ونهض ونهضوا كالعفاريت وهجموا عَلَى المدينة ، وقَتَل ملكها . وسألني الوزير عَنْهُ مرة أخرى ، فَقُلْتُ : لَا يمكنه أن يدخل الشَّام ؛ لِأَنَّهُ إن أتى بجَمْع قليل لم ينل غرضًا مَعَ شجاعة أهل الشَّام ، والفلّاحون يكفونه ، وإن أتى بجمع كثير لم تحمله الشَّام ؛ لأن خيلهم تأكل الحشيش ، ولا حشيش بالشام ، وأمّا الشعير ففي كلّ مدينة كفاية دوابها . ثُمَّ أخذتُ أحسب معه ما في حلب من الدواب فبلغت مع التكثير خمسين ألفا ، فإذا ورد سبعمائة ألف فرس أخذوا عليق شهر في يوم أَوْ يومين ، ثُمَّ إنهم لَيْسَ لهم صناعة في الحرب سوى المهاجمة ، وأخذهم البلاد إنّما هُوَ بالرعب والهَيْبَة لَا بالعَدْل والمَحَبة ، وهذه الحال لَا تنفع مَعَ شجاعة أهل الشَّام . وعُقيب موت الملك الظاهر