لفساد عسكره . وَكَانَ خاله من أمراء الخَطا ، وقد حلَّفوه أن لَا يُطلع خُوَارِزْم شاه عَلَى ما دبروا عَلَيْهِ ، فجاء إِلَيْهِ في الليل ، وكتب في يده صورة الحال ، ووقف بإزائه ، فنظر إلى السطور وفهمها ، وَهُوَ يَقُولُ : خذ لنفسك ، فالساعة تُقتل . فقامَ وخرجَ من تحت ذَيْل الخَيْمة ومعه وَلَداه جلال الدِّين والآخر ، فركب وسار بهما ، ثُمَّ دخل الخَطا والعساكر إلى خيمته فلم يجدوه ، فنهبوا الخزائن والخيول ، فيقال : إِنَّهُ كَانَ في خزائنه عشرة آلاف ألف دينار وألف حِمْل قماش أطلس وغيره ، وكانت خيله عشرين ألف فرس وبَغْل ، وَلَهُ عشرة آلاف مملوك . فهرب وركب في مركب صغير إلى جزيرة فيها قلعة ليتحصّن بها ، فأدركه الْأجل ، فدُفن عَلَى ساحل البَحْر ، وهرب ولداه ، وتفرقت الممالك بعده ، وأخذت التَّتَار البلاد .
قُلْتُ : وكانت سلطنة علاء الدِّين مُحَمَّد بن تِكش في سنة ست وتسعين وخمسمائة عند موت والده السُّلْطَان علاء الدِّين تِكش .
قَالَ الموفق عَبْد اللطيف : كَانَ تِكش أعْوَرَ قميئًا كثيرَ اللّعب بالملاهي ، استُدعي من الدّيوان العزيز لدفع أذَى طُغريل السَّلْجُوقيّ صاحب همذان ، فقَتَل طُغْريل وسَيَّر برأسه ، وتَقَدَّم بطلب حُقوق السَّلْطَنة ، فتحركت أمَّةُ الخَطا إلى بلاده ، أَوْ حُرّكت ، فألجأته الضرورة أن يرجع - يعني إلى خُوَارِزْم - وتولَّى بعده الْأمر ولداه ، فَكَانَ ابنه محمدٌ شُجاعًا شَهمًا مِغْوارًا مِقْدامًا ، سَعْد الوُجهَة غَزّاءً ، لَا ينشف لَهُ لبد ، ويقطع المسافات الشَّاسعة في زمان لَا يتوهم العدو أَنَّهُ يقطعها في أضعافه ، وَكَانَ هجّامًا فاتكًا غَدَّارًا ، فأوّل ما فتك بأخيه ، فأُحضِرَ رأسُهُ إليه وَهُوَ عَلَى الطعام فلم يكترث ، وَكَانَ قليل النَّوم كثير اليقظة ، طويل النَّصب قصير الراحة ، يخدم في الغارات أصحابه ، ويهجعون وَهُوَ يحرسهم ، وثيابه وعدَّة فرسه لَا تبلغ دينارًا ، لذّته في نَصَبه ، وراحته في تعبه ، كثير الغنائم والْأنفال ، سريع التفريق لها والإنفاق . وَكَانَ لَهُ معرفة ومشاركة للعُلماء ، وصَحِبَ الفخرَ الرَّازِيّ قبل المُلك ، فَلَمَّا تملَّك رَعَى لَهُ ذَلِكَ ، فوسَّع عَلَيْهِ الدُّنْيَا وبسط يده . لكنّ هذا المَلِك أفْسد رأيه العُجْب والتيه والثِّقة بالسَّلامة ، وأوجب لَهُ ذَلِكَ أن يستبدّ برأيه ، ويُنكّب عن ذكر العواقب جانبًا ، واستهان بالْأعداء ، ونسي عواقب الزمان ؛ فمن عُجْبه كَانَ يَقُولُ : " مُحَمَّد ينصر دين مُحَمَّد " . ثُمَّ قطع خُطبة بني العَبَّاس من مملكته ، وتركَ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 517
مساهمون: الذهبي
ص٥١٧