تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
غزو الكُفَّار ، وأخذَ يتصدّى لعداوة قِبلة الإِسْلَام وقَلْب الشريعة بَغْدَاد ، وعزم عَلَى قصد تفليس ليجعلها سرير مُلكه ، ويحكم منها عَلَى بلاد الروم والْأرْمن والقَفْجق ، وسائر بلاد العرب والعجم ؛ فأفسد الْأمور بإساءة التدبير ، وقَتَل نفسه بشدَّة حرصه وحركته قبل وقته ، وأراد أن يتشبّه بالإسكندر ، وأين الْأعمى من المُبصر ؟ ! وأين الوليّ من رجل تُركيّ ؟ ! فإنّ الإسكندر مَعَ فَضْله وعدله وإظهاره كلمة التوحيد ؛ كان في صحبته ثلاثمائة حكيم ، يسمع منهم ويطيع ، وَكَانَ معلّمه أرسطو طاليس نائبه عَلَى بلاده ، ولا يحلّ ولا يعقد إِلَّا بمشورته ومُراسلته في استخراج رأيه . كذا قَالَ الموفق ، وأخطأ في هَذَا كغيره ، فليس إسكندر صاحب أرسطو طاليس هُوَ الَّذِي قص الله سبحانه قصّته في القرآن ، فالذي في القرآن رجل مؤمن ، وأمّا الآخر فمشرك يعبد الوثن ؛ واسمه إسكندر بن فلبّس المقدونيّ ، عَلَى دين الحُكماء - لَا رعاهم اللَّه - ولم يملك الدُّنْيَا ولا طافَها ؛ بل هُوَ من جُملة ملوك اليونان . ثُمَّ قَالَ الموفق : وقد عُلم بالتّجربة والقياس أن كل ملكٍ لَا يكون قصده إقامة وبسط العدل والعمارة فَهُوَ وشيك الزوال ؛ فأول ما صنع هَذَا أَنَّهُ ظاهر أمَّة الخطا ، فنازلهم بأمَّة التَّتَر حَتَّى استأصلهم ، ولم يُبق منهم إِلَّا من دخل تحت طاعته وصار من عسكره . واستخدم سبعة أمراء من أخواله وجعلهم من قلب عسكره وخواصّه ، ثم انتقل إلى أمَّة التَّتَر فمحقهم بالسيف ، ولم يبق منهم إِلَّا مستسلم في زمرته . وكانت بلاد ما وراء النَّهْر في طاعة الخطا ، وملوك بخاري وَسَمَرْقَنْد وغيرهما يؤدون الْأتاوة إلى الخطا ، والخطا يبسطون فيهم العدل . وكانت هذه الْأمم سدًّا بين تُرك الصين وبيننا ، ففتح هَذَا الملك بقلة معرفته هَذَا السدّ الوَثيق . ثم أفسَد تلك الممالك والْأمصار ، وأتى عَلَى إخراب البلاد وإفساد القلوب ، وإيداعها أصناف الإحن والعداوات ، وظن أَنَّهُ لم يُبق فيهم مَنْ يقاومه ، فانتقل إلى خُرَاسَان وسِجستان وكِرمان ثم العراق وأَذْرَبِيجَان ، وطمِعَ في الشَّام وَمِصْر ، وحدَّثته نفسه بجميع أقطار الْأرض . وَكَانَ ذَلِكَ سهلًا عَلَيْهِ قد يسَّرَه اللَّه لَهُ لو ساعده التوفيق بحُسن التدبير وأصالة
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 518 | الذهبي / بشار عوّاد معروف