تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
وجدت من أفتاني فيها إِلَّا العِماد . وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ إِذَا دخل الخَلاء فنَسِيَ أن يُسمّي ، خرج فسمّى ثُمَّ دخل . وأمّا زُهده ، فما أعلم أَنَّهُ قطّ أدخل نفسه في شيء من أمر الدُّنْيَا ، ولا تعرَّض لها ، ولا نافس فيها . وقد كَانَ يُفتح لأصحابنا بعض الْأوقات بشيء فما أعلم أَنَّهُ حضر يومًا قطُّ عندهم في شيء من ذَلِكَ ، وما علمتُ أَنَّهُ دخل إلى عند سلطان ولا والٍ ، ولا تعرّف بأحدٍ منهم ، ولا كانت لَهُ رغبة في ذَلِكَ . وَكَانَ قويًا في أمر اللَّه ، ضعيفًا في بَدَنه ، لَا تأخذه في اللَّه لومة لائم . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لرجل : كيف وَلَدك ؟ قَالَ : يُقبِّل يدك . فَقَالَ : لَا تكذب ! وَكَانَ كثير الْأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر . لَا يرى أحدًا يسيء صلاته إِلَّا قَالَ لَهُ وعلّمَهُ . وبلغني أَنَّهُ خرج مرَّةً إلى فُسّاق ، فكسر ما معهم ، فضربوه ، ونالوا منه ، حَتَّى غُشي عَلَيْهِ ، فأراد الوالي ضربهم ، فَقَالَ : إن تابوا ولزِموا الصَّلَاة فلا تؤذهم ، وهم في حِلٍّ . فتابوا ، ورجعوا عمّا كانوا عَلَيْهِ . سمعتُ شيخنا مُوَفَّق الدين قَالَ : من عُمري أعرفه - يعني العماد - وَكَانَ بيتنا قريبًا من بيتهم - يعني في أرض القدس - ولمّا جئنا إلى هنا فما افترقنا إِلَّا أن يسافر ، ما عرفت أَنَّهُ عصى اللَّه معصية . سَمِعْتُ والدي يَقُولُ : أَنَا أعرف العماد من صِغره ، وما أعرف لَهُ صَبوةً ولا جهلة . وذكر شيخُنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الرَّحْمَن بن عيسى البُزُورِيّ الواعظُ شيخَنَا عمادَ الدين في طبقات أصحاب ابن المّنِّي ، فَقَالَ : فَقهَ ، وبَرَع ، وكَملَ ، وجمعَ بين العلم والعمل ، أحد الورِعين الزُّهّاد ، وصاحبُ ليلٍ واجتهادٍ ، متواضعٌ ، صَلِفٌ ، ظريفٌ . قرأ القرآن بالقراءات ، وَلَهُ المعرفة الحسنة بالحديث ، مَعَ كثرة السَّماع ، واليد الباسطة في الفرائض ، والنَّحْو ، إلى غير ذَلِكَ من الفضائل ، لَهُ الخطُّ المليح المشرق بنور التقوى . ولَيْسَ لله بمستَنكَرٍ . . . أنْ يَجمعَ العالم في واحدِ هَذَا مَعَ طيب الْأخلاق ، وحُسن العِشرة ، فما ذاق فم المودَّة أعذب من أخلاقه ، فسبحان من صبَّرني عَلَى فِراقه .