تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
ووصفتُ الخليفةَ بالزُّهد والوَرَع والتُّقى والدِّين ، والتَّرجُمان يُعيدُ عَلَيْهِ قولي ، فَلَمَّا فرغتُ قَالَ للتَّرجمان : قُل لَهُ هَذَا الَّذِي تصفه ما هُوَ في بغداد ، بل أَنَا أجيء وأُقيمُ خليفةً يكون بهذه الصِّفة ، ثُمَّ رَدَّنا بغير جواب ، ونزلَ عليهم بهَمَذان الثَّلج ، فهلكت خيلهم ، وركب الملك خُوَارِزْم شاه يومًا فعثر بِهِ فرسه ، فتطيَّر ، ووقع الفَساد في عساكره ، وقلَّت المِيرة ، وَكَانَ معه سبعون ألفًا من الخطا ، فرَدّه الله تعالى عن بغداد . قال أَبُو شامة : ذكر مُحَمَّد بن مُحَمَّد النَّسَويّ في كتابه الَّذِي ذكر فيه وقائع التّتار مَعَ علاء الدين مُحَمَّد ، وَمَعَ ولده جلال الدين ، قَالَ : حكى لي القاضي مُجير الدين عُمَر بن سعد الخُوَارِزْمِي ، أَنَّهُ أُرسِلَ إلى بغداد مِرارًا ، آخرها مطالبة الدّيوان بما كَانَ لبني سلجوق من الحُكم والمُلك ببغداد ، فأبوا ذَلِكَ ، وأصحب المذكور في عَوْده شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي رسولًا مدافعًا . قَالَ : وَكَانَ عند السلطان من حُسن الاعتقاد برفيع منزلته ما أوجب تخصيصه بمزيد الإكرام والاحترام تمييزًا لَهُ عن سائر الرسل الواردة عليه من الديوان ، فوقف قائماً في صحن الدار ، فَلَمَّا استقرَّ المجلس بالشيخ ، قَالَ : إِنَّ من سُنَّة الدّاعي للدّولة القاهرة أن يُقدِّم عَلَى أداء رسالته حديثًا . فأذِنَ لَهُ السلطانُ ، وجلسَ عَلَى رُكبتيه تأدُّبًا عند سماع الحديث ، فذكر الشَّيْخ حديثًا معناه التُّحذير من أذيَّة آل العَبَّاس . فَقَالَ السلطان : ما آذيتُ أحدًا من آل العَبَّاس ولا قصدتُهم بسوءٍ وقد بلغني أَنَّ في محابس أمير المؤمنين خلْقًا منهم يتناسلون بها ، فلو أعادَ الشيخُ هَذَا الحديث عَلَى مسامع أمير المؤمنين كَانَ أولى وأنفع . فعادَ الشيخُ والوَحْشةُ قائمةٌ ، ثُمَّ عزمَ عَلَى قَصْد بغداد ، وقسَّمَ نواحيها إقطاعًا وعَمَلًا ، وسارَ إلى أن علا عقبة أسدآباد ، فنزلت عَلَيْهِ ثلوج غطّت الخراكي والخيام ، وبقي ثلاثة أيام ، فعَظُم إِذْ ذاك البلاءُ ، وشَمِلَ الهلاكُ خلقًا من الرِّجال ، ولم ينْجُ شيء من الْجِمال ، وتلفت أيدي رجال وأرْجل آخرين ، فرَجَع السلطان عن وَجْهِه ذَلِكَ عَلَى خيبةٍ مما هم به . وفيها تجمّع الفرنج وأقبلوا من البَحْر بفارسِهِم وراجِلِهم لأجل قَصْد بيت
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 273 | الذهبي / بشار عوّاد معروف