تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 1107

مساهمون:

ص١١٠٧
رِفقًا بنضوٍ قد براه الأَسَى . . . يا عاذلي لو كان قلبي معي لَهَفي على طِيب ليالٍ خَلَت . . . عُودي تعودي مُدْنفًا قد نُعي إذا تذكرتُ زمانًا مضى . . . فَوَيْحَ أجْفاني من أدمُعي وقد نالتْه محنةٌ في أواخر عمره ، وذلك أنّهم وَشَوْا إِلَى الخليفة الناصر به بأمرٍ اختُلِف فِي حقيقته ، وذلك فِي الصَّيف ، فبينا هُوَ جالسٌ فِي داره فِي السِّرداب يكتب ، جاءه مَن أسمعه غليظ الكلام وشَتَمَه ، وختم على كتبه وداره ، وشتت عياله ، فلما كان فِي أوّل اللّيل حملوه فِي سفينةٍ ، وأحدروه إِلَى واسط ، فأقام خمسة أيّام ما أكلّ طعامًا ، وهو يومئذٍ ابن ثمانين سنة ، فلمّا وصل إلى واسط أنزل في دار وحبس بها ، وجعل عليها بواب ، وكان يخدم نفسه ، ويغسل ثوبه ، ويطبخ ، ويستقي الماءَ من البئر ، فبقي كذلك خمس سنين ، ولم يدخل فيها حمّامًا . وكان من جملة أسباب القضيَّة أن الوزير ابن يُونُس قُبض عليه ، فتتبّع ابنُ القصّاب أصحاب ابن يُونُس ، وكان الرُّكْن عَبْد السّلام بْن عَبْد الوّهاب بْن عَبْد القادر الْجِيليّ المتّهم بِسوء العقيدة واصلًا عند ابن القصّاب ، فقال له : أَيْنَ أنتَ عن ابن الجوزيّ ، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس ، وأعطاه مدرسة جدّي ، وأُحرِقت كُتُبي بمشورته ، وهو ناصبيّ من أولاد أَبِي بَكْر ، وكان ابن القصّاب شيعيًّا خبيثًا ، فكتب إِلَى الخليفة ، وساعده جماعة ، ولبّسوا على الخليفة ، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السّلام ، فجاء إِلَى باب الأَزَج إِلَى دار ابن الجوزي ، ودخل وأسمعهُ غليظ المقال كما ذكرنا ، وأُنزل فِي سفينةٍ ، ونزل معه الرّكن لا غير ، وعلى ابن الجوزيّ غُلالة بلا سراويل ، وعلى رأسه تخفيفه ، فأُحدِر إِلَى واسط ، وكان ناظرها العميد أحد الشّيعة ، فقال له الرّكن : حرسكَ اللَّه ، مكِّنّي من عدويّ لأرميه فِي المطمورة ، فعزّ على العميد وَزَبَره وقال : يا زِنديق أرميه بقولك ؟ هات خطِّ الخليفة ، واللهِ لو كان من أَهْل مذهبي لبذلتُ روحي ومالي فِي خدمته ، فعاد الرّكن إِلَى بغداد ، وكان بين ابن يُونُس الوزير وبين أولاد الشّيخ عَبْد القادر عداوةٌ قديمة ، فلمّا ولي الوزارة ، ثمّ أستاذيَّة الدّار بدَّد شملهم ، وبُعث ببعضهم إِلَى مطامير واسط ، فماتوا بها ، وأهين الركن بإحراق كتبه النجومية .