تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
الأقلام ، وشقّ كلّ واحدٍ منها نصفين ، وشدّها شدّة واحدة ، وجعلها شبه المسرَجَة وأقعد السَّرَّاج عليها ، فلحِقَني مِن ذَلِكَ مِن الغمّ شيءٌ لم يمكنيّ أن آكل الطّعام معه ، واعتذرت إليه ، وخرجت إلى المسجد ، فلمّا صلّيت التّراويح ، أقمت في المسجد ، فجاءني القيّم وقال : لم تجر العادة لأحد أن يبيت في المسجد ، فخرجت وأغلق الباب ، وجلست عَلَى باب المسجد ، لا أدري إلى أَيْنَ أذهب ، فبعد ساعةٍ عبر الحارس ، فأبصرني ، فقال لي : مِن أنت ؟ فقلت : غريب مِن أهل العِلْم ، وحكيت لَهُ القصّة ، فقال : قُم معي ، فقمت معه ، فأجلسني في مركزه ، وثمَّ سراجٌ جيّد ، وأخذ يطوف ويرجع إلى عندي ، واغتنمت أَنَا السَّرَّاج ، فأخرجت الأجزاء ، وقعدت أكتب إلى وقت السَّحَر ، فأخرج إليَّ شيئًا مِن المأكول ، فقلت : لم تجر لي عادة بالسحور ، وأقمتُ بعد هذا بالإسكندرية ثلاثة أيّام ، أصوم النّهار ، وأبيت عنده ، واعتذر إليه وقت السَّحَر ، ولا يعلم إلى أن سهَّل الله بعد ذَلِكَ وفتح . وقال : أقمت بِتّنيس مدّةً عَلَى أبي محمد ابن الحدّاد ونُظَرائه ، فضاق بي ، ولم يبق معي غير درهم ، وكنت في ذَلِكَ أحتاج إلى خبز ، وأحتاج إلى كاغد ، فكنت أتردّد إنْ صرفته في الخبز لم يكن لي كاغد ، وإن صرفته في الكاغد لم يكن لي خبز ، ومضى على هذا ثلاثة أيّام ولياليهنّ لم أُطْعَم فيها ، فلمّا كَانَ بُكْرَةَ اليوم الرابع قلت في نفسي : لو كان لي اليوم كاغد لم يمكن أن أكتب فيه شيئًا لما بيَ مِن الْجُوع ، فجعلت الدّرهم في فمي ، وخرجتُ لأشتري الخبز ، فبَلَعْتُه ، ووقع عليّ الضَّحك ، فلِقيني أبو طاهر بْن حُطَامة الصّائغ المواقيتيّ بها وأنا أضحك ، فقال لي : ما أضحكك ؟ فقلت : خير ، فألحَّ علي وأبيت ، فحلف بالطّلاق لَتَصْدُقَنّي لم تضحكْ ؟ فأخبرته ، وأخذ بيدي ، وأدخلني منزله ، وتكلَّف لي ذَلِكَ اليوم أطعمة ، فلمّا كَانَ وقت صلاة الظُّهر خرجت أَنَا وهو إلى الصّلاة ، فاجتمع بِهِ بعض وكلاء عامل تِنّيس ، فسأله عنّي ، فقال : هُوَ هذا ، فقال : إنّ صاحبي منذ شهر أمرني أن أوصل إِليْهِ في كلّ يوم عشرة دراهم ، قيمتها ربع دينار ، وسهوت عَنْهُ ، قَالَ : فأخذ منه ثلاثمائة درهم ، وجاءني وقال : قد سهّل الله رزقًا لم يكن في الحساب ، وأخبرني بالقصّة ، فقلت : تكون عندك ، ونكون عَلَى ما نَحْنُ من الاجتماع إلى وقت الخروج ، فإنني وحدي ، ففعل ، وكان بعد ذَلِكَ يصِلُني ذَلِكَ القدر ، إلى أن خرجت مِن البلد إلى الشّام .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 97 | الذهبي / بشار عوّاد معروف