تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
وفي رمضان انقضّ كوكبٌ من المشرق ببغداد ، فغلبَ ضوؤه عَلَى ضوء القمر وتقطّع قِطعا . وفي شوال أخرجت جنازة بنت أبي نوح الطبيب امرَأَة ابن إسرائيل كاتب النّاصح أَبِي الهيجاء ومع الجنازة النّوائح والطُّبولُ والزُّمور والرُّهْبان والصّلْبان والشُّموع . فأنكر هاشميٌ ذَلِكَ ورجَمَ الجنازة ، فوثب بعض غلمان النّاصح فضربَ الهاشميّ بدبّوس فشجّه ، وهربوا بالجنازة إلى بَيْعة هناك ، فتبِعَتْهم العامّة ، ونهبوا البيعة وما جاورَها مِن دُور النَّصارَى . وعاد ابن إسرائيل إلى داره ، فهجموا عَليْهِ ، فهربَ واستجار بمخدومِه ، وثارت الفتنة بين العامّة وبين غلمان النّاصح وزادت ورُفِعَتْ المصاحف في الأسواق ، وغُلقت الجوامع ، وقصد الناسُ دار الخليفة ، فركب ذو السَّعادتين إلى دار النَاصح ، وتردّدت رسالة الخليفة بإنكار ذَلِكَ وطُلِبَ ابن إسرائيل ، فامتنع الناصح من تسليمه ، فغضب الخليفة وأمر بإصلاح الطّيّار للخروج من البلد ، وجمع الهاشمييّن في داره ، واجتمعت العامّة يومَ الجمعة ، وقصدوا دار النّاصح ، ودفعهم غلمانه عَنْهَا ، فقُتل رَجُل قِيلَ إنّه علويّ ، فزادت الشّناعة ، وامتنع الناس من صلاة الجمعة ، فظفرت العامّة بقومٍ من النّصارى فقتلوهم . ثمّ بعث الناصحُ ابن إسرائيل إلى دار الخلافة فسكن العامّة ، وأُلزِمت النّصارى بالغيار ، ثمّ أُطلِقَ ابن إسرائيل . وفيها ألزمَ الحاكم صاحب مصرَ النَّصارى بحمل صلْبان خَشب ذراع في ذراع في أعناقهم ، وزن الصّليب خمسة أرطال ، وفي رقاب اليهود أكَر خشب بهذا الوزن ، فأسلم بسبب هذا الذُّلّ طائفة ، ونهى الأمراء عَنْ تقبيل الأرض وبَوْس اليد ، ورسَم أن يقتصروا عَلَى : السّلام عليكم ورحمة الله . ولَبس الصّوف عَلَى جسده ورأسه ، واقتصر عَلَى ركوب الحمار بغير حُجّاب ولا طرّادين . وفيها بعث محمود بْن سُبُكْتكين كتابًا إلى القادر بالله ، قد وردَ إِليْهِ من الحاكم صاحب مصر ، يدعوه فيه إلى الطّاعة والدّخول في بيعته ، وقد خرقه وبصق عليه .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 14 | الذهبي / بشار عوّاد معروف