تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
وأوحشوا نفوس الْجُنْد من ابن مقلة ومن بدر ، وتحالفوا وصارت كلمتهم واحدة . ثمّ صاروا إلى دار الخلافة فأحْدَقوا بها ، وصار الرّاضي في أيديهم كالأسير ، وطالبوه أنّ يخرج معهم إلى الجامع فيصلّى بالنّاس ليعلموا إنّه من حزبهم . فخرج يوم الجمعة سادس جمادى الأولى ، فصلّى بالنّاس ، وقال في خطبته : اللهُمّ إنّ هؤلاء الغلمّان بطانتي وظهارتي ، فمن أرادهم بخير فأزِدْه ، ومن كادَهم فَكِده . وأمر بدرًا الخَرْشَنيّ بالمسير على إمرة دمشق مسرعًا . ثمّ أخذ ابن مقلة يُشير على الرّاضي سرًّا أنّ يخرج بنفسه ليدفع محمد بن رائق عن واسط والبصرة . ثمّ بعث ابن مقلة بمقدَّم من الحُجَريّة ، وآخر من السّاجيّة برسالة إلى ابن رائق يطلب المحاسبة . فأحسَن ابن رائق إليهما ، وحمّلهما رسالة إلى الراضي سراً بأنه إن استُدعى إلى الحضرة قام بتدبير الخلافة ، وكَفَى أمير المؤمنين كلّ مهمّ ، فقدِما . فلم يلتفت الرّاضي إلى الرسالة . ولمّا رأى ابن مقلة امتناع ابن رائق عليه عمل على خروج الرّاضي إلى الأهواز ، وأنّ يرسل القاضي برسالة إلى ابن رائق لئلّا يستوحش . فبَيْنا ابن مقلة في الدِّهليز شغب الغلمّان ومعهم المظفّر ، وأظهروا المطالبة بالأرزاق ، وقبضوا على الوزير ، وبعثوا إلى الرّاضي يعرفونه ليستوزر غيره ، فبعث إليهم يستصوب رأيهم ، ثمّ قال : سمّوا من شئتم حتّى استوزره . فسمّوا عليّ بن عيسى ، وقالوا : هو مأمون كافي . فاستحضره وخاطبه بالوزارة فامتنع ، فخاطبه ثانية وثالثة فامتنع ، فقال : أشِر بمن ترى . فأومى إلى أخيه عبد الرحمن بن عيسى . فبعث الرّاضي إليه المظفّر بن ياقوت ، فأحضره وقلَّدَه ، وركب الجيش بين يديه ، وأُحْرِقَتْ دار ابن مقلة ، وهذه المرّة الثالثة . وكان قد أحرق دار سليمان بن الحسن . فكتبوا على داره : أحسنتَ ظنّك بالأيّام إذ حسُنت . . . ولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القدرُ وسالَمَتْك اللّيالي فاغترَرت بها . . . وعند صفو اللّيالي يحدُثُ الكَدَر واختفى الوزير وأعوانّه .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 419 | الذهبي / بشار عوّاد معروف