تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
وقال أبو بكر الصوليّ : قبضَ عليّ بن أحمد الراسبي الأمير على الحلاج وأدخله بغداد وغلاما له على جملين مشهورَيْن سنة إحدى وثلاث مائة . وكتب يذكر أن البينة قامت عنده أنه يدعي الربوبية ويقول بالحلول . فأحضره عليّ بن عيسى الوزير ، وأحضر العلماء فناظروه ، فأسقط في لفظه ، ولم يجده يُحسن من القرآن شيئًا ولا من غيره . ثم حبس مدة . قال الصولي : وكان يري الجاهل شيئًا من شعبذته ، فإذا وثق به دعاه إلى أنه إله ، فدعا فيمن دعا أبا سعيد بن نوبخت ، فقال له ، وكان أقرع : أَنْبِت في مقدم رأسي شعرًا . ثم ترقت به الحال ، ودافع عنه نصر الحاجب لأنه قيل إنه سني ، وإنما تريد قتله الرافضة . قال : وكان في كتبه : إني مغرق قوم نوح ومهلك عاد وثمود . وكان حامد بن العبّاس الوزير قد وجد لهُ كتبًا فيها أنّه إذا صام الإنسان وواصل ثلاثة أيّام وأخذ في اليوم الرابع ورقات هنْدباء فأفطر عليها أغناه عن صوم رمضان . وإذا صلّي في لَيْلَةٍ واحدةٍ رَكْعَتَين طول الليل أغنته عن الصلاة ما بقي . وإذا تصدَّق في يومٍ بجميع ما يملكه أغناه عن الزّكاة . وإذا بنى بيتًا وصامَ أيامًا وطاف به أغناه عن الحجّ . فأحضر حامد القضاة وأحضره وقال : أتعرف هذا الكتاب ؟ قال : هذا كتاب " السُّنَن " للحَسَن البصْريّ . فقال : ألست تدين بما فيه ؟ قال : بلى . هذا كتاب أدين الله بما فيه . فقال له أبو عُمَر القاضي : هذا فيه نقض شرائع الإسلام . ثمّ جاراه في الكلام إلى أن قال له أبو عُمَر : يا حلال الدّم ، من أيَّ كتابٍ نقلت هذا ؟ قال : من كتاب " الإخلاص " للحَسَن البصْريّ . قال : كذبت يا حلال الدم ، قد سمعنا الكتاب ، وليس فيه شيء من هذا . فقال حامد لأبي عُمَر القاضي : قد أفتيت بأنه حلال الدّم ، فضع خطَّك بهذا . فدافعَ ساعةً ، فمدّ حامد يده إلى الدَّواة وقدّمها للقاضي وألحّ عليه ، فكتب بأنّه حلال الدّم ، وكتب الفُقَهاء والعُلماء بذلك خطوطهم ، والحلاج يقول : يا قوم ، لَا يحلّ لكم إراقةُ دمي . فبعث حامد بخطوطهم إلى المقتدر ، وأستأذنه في قتله ، فتأخّر عنه الجواب ، فخاف أن يبدو للمقتدر فيه رأي لِما قد استمال من الخواصّ بزُهْده وتعبُّده في الحبْس ، فنفَّذ إلي المقتدر أنّه قد ذاع كُفْره وادّعاؤه الرُّبوبيّة ، وإنْ لم يقتل افتتن الناس ، وتجرأ قومُ على الله تعالى وَالرُّسُلِ . فأذِن المقتدر في قتله . فطلب حامدُ صاحبَ الشرطة محمد بن عبد الصَّمد ، وأمره أن يضربه ألف سَوط ، فإنْ ماتّ وإلّا يقطع يديه ورِجْليه .
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 19 | الذهبي / بشار عوّاد معروف