تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
حدَّثني حمد بن الحلاج ، وذكر فصلًا قد تقدم قطعة منه ، إلى أن قال : حتى أخذه السّلطان وحبَسه ، فذهب نصر القُشُوريّ واستأذن الخليفة أن يبني له بيتًا في الحبْس ، فبنى له دارًا صغيرة بجنْب الحبْس ، وسدّوا باب الدّار ، وعملوا حواليه سُورًا ، وفتحوا بابه إلى الحبْس ، وكان الناس يدخلون عليه سنة ، ثمّ مُنِعوا ، فبقي خمسة أشهر لَا يدخل عليه أحد ، إلا مرة رأيت أبا العباس بن عطاء الأدميّ دخل عليه بالحيلة . ورأيت مرة أبا عبد الله بن خفيف وأنا برًّا عند والدي باللّيل والنّهار عنده . ثمّ حبسوني معه شهرين ، وعُمَري يومئذٍ ثمانية عشر عامًا . فلمّا كانت اللّيلة الّتي أخرج من صبيحتها ، قام فصلّى رَكعات ، ثمّ لم يزل يقول : مَكْر مَكْر ؛ إلى أن مضى أكثر اللّيل . ثمّ سكت طويلًا ثم قال : حقّ ، حقّ . ثمّ قام قائمًا ، وتغطّى بإزارٍ ، واتّزر بمئزر ، ومدّ يديه نحو القِبْلة ، وأخذ في المُنَاجاة . وكان خادمه حاضرًا ، فحفظْنا بعضها . فكان من مناجاته : نحن شواهدك ، نَلُوُذ بَسَنا عِزَّتك ، لَتُبْدِي ما شئتَ من شأنك ومشيئتك ، أنتَ الّذي في السّماء إله وفي الأرض إله ، يا مُدَهّر الدُّهور ، ومصوَّر الصُّوَر ، يا من ذَلّتْ له الجواهر ، وسجدت له الأعراض ، وانعقدت بأمره الأجسام ، وتصوَّرت عنده الأحكام . يا مَن تجلّى لما شاء ، كما شاء ، كيف شاء ، مثل التجلّي في المشيئة لأحسن الصُّورة . وفي نسخة : مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة . والصّورة : هي الرّوح النّاطقة الّتي أفردته بالعِلم والبيان والقدرة . ثم أوعزت إلى شاهدك الآني في ذاتك الهُويّ اليسير لمّا أردت بدايتي ، وأظهرتني عند عقيب كراتي ، ودعوت إلى ذاتي بذاتي ، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي ، صاعدًا في مَعَارجي إلى عُروش أوليائي ، عند القول من برياتي ، إنّي أحتضر وَأُقْتَلُ وأُصلب وأُحرق ، وأُحمل على السافيات الذاريات . وإن لذرة من ينجوج مظَانّ هيكل متجلّياتي لأعظم من الرّاسيات . ثم أنشأ يقول : أنْعى إليك نفوسًا طاح شاهدها . . . فيما وراء الغيب أو في شاهد القِدَم أنْعى إليك قلوبًا طالما هَطَلَتْ . . . سحائب الوحي فيها أبحر الحكم