تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
قَدْره ، ويعرفوه كُنْه معرفته ، ويُفرّقوا بينه وبين خلْقه ، وذلك أنّهم ساوَوْا بين الله وبين خلْقِهِ ، وبين ما أُنزل من القرآن . فأطبقوا على أنّه قديم لم يخلقْه الله ويخترعه . وقد قال تعالى : { إنا جعلناه قرآنا عربيا } فكلّ ما جعله الله فقد خلقه كما قال : { وجعل الظلمات والنور } ، وقال : { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سبق } ، فأخبر أنّه قصصٌ لأمور أحدثهُ بعدها . وقال : { أحكمت آياته ثم فصلت } ، والله مُحْكم كتابَه ومُفَصِّلُهُ ، فهو خالقه ومُبْتَدِعُهُ . ثم انتسبوا إلى السُّنّة ، وأنّهم أهل الحقّ والجماعة ، وأنّ مَن سواهم أهل الباطل والكُفْر . فاستطالوا بذلك وغرّوا به الجهّال ، حتّى مال قوم من أهلِ السَّمْت الكاذب والتَّخَشُّع لغير الله إلى موافقتهم ، فنزعوا الحقّ إلى باطلهم ، واتّخذوا دون الله وليجةً إلى ضلالهم ، إلى أن قال : فرأى أمير المؤمنين أنّ أولئك شرّ الأمّة ، المنقوصون من التّوحيد حظًا ، أوعيةُ الجهالة وأعلام الكذب ، ولسان إبليس الناطق في أوليائه ، والهائل على أعدائه مِن أهل دِين الله ، وأحقُّ أن يُتَّهم في صِدْقه ، وتُطرح شهادته ، ولا يوثق به ، من عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالتوحيد ، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا . ولعمر أمير المؤمنين ، إنّ أكْذَب النّاس مَن كذب على الله ووحْيه . وتخرّص الباطل ، ولم يعرف الله حقيقة معرفته . فاجْمَعْ مَن بحضرتك من القُضاة ، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون ، واكشفهم عمّا يعتقدون في خلق الله وإحداثه . وأعلمهم أنّي غير مستعينٍ في عملٍ ولا واثقٌ بمن لا يوثق بدينه . فإذا أقرّوا بذلك ووافقوا فمُرهم بنصّ مَن بحضرتهم من الشهود ، ومسألتهم عن علمهم في القرآن ، وترْك شهادة مَن لم يُقِرّ أنّه مخلوق . واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم ، والأمر لهم بمثل ذلك . وكتب المأمون إليه أيضًا في إِشخاص سبعة أنفُس ، وهم : محمد بن سعْد كاتب الواقديّ ، ويحيى بن مَعِين ، وأبو خَيْثَمَة ، وأبو مسلم مُسْتملي يزيد بن هارون ، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبي مسعود ، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ . فأُشْخِصوا إليه ، فامتحنهم بخلْق القرآن فأجابوه ، فردّهم من الرَّقّة إلى بغداد ، وسبب طَلَبهم أنّهم توقّفوا أولًا ، ثم أجابوه تَقِيّةً . وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يُحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 248 | الذهبي / بشار عوّاد معروف