تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
ونقل بعض العلماء من كتاب حفيده عَبْد الرحمن بن أحمد بن بقيّ : سمعت أبي يقول : رحل أبي من مكّة إِلَى بغداد ، وكان جلَّ بغيته ملاقاة أَحْمَد بْن حنبل ، قَالَ : فَلَمَّا قربت بلغتني المحنة ، وأنّه ممنوع ، فاغتممت غمّا شديدا ، فاحتللت بغداد واكتريت بيتًا فِي فندق ، ثُمَّ أتيت الجامع ، وأنا أريد أن أجلس إِلَى النّاس ، فدفعت إلى حلقةٍ نبيلة ، فإذا برجلٍ يتكلَّم فِي الرجال ، فَقِيلَ لي : هَذَا يحيى بن معين ، ففرجت لي فرجةً ، فقمت إليه ، فقلت : يا أَبَا زكريا - رحمك الله - رَجُل غريب ناءٍ عن وطنه ، يحبُّ السُّؤال فلا تستجفني ، فقال : قل ، فسألت عن بعض من لقيته ، فبعضًا زكّى ، وبعضًا جرَّح . فسألته عن هشام بْن عمّار ، فقال لي : أبو الْوَلِيد صاحب صلاة دمشق ، ثقة وفوق الثقة ، لو كان تحت ردائه كبر أو متقلدا كبرًا ما ضره شيئًا لخيره وفضله . فصاح أصحاب الحلقة : يكفيك - رحمك الله - غيرك له سؤال . فقلت وأنا واقف على قدم : اكشف عن رجلٍ واحد : أَحْمَد بْن حنبل . فنظر إليَّ كالمتعجّب ، فقال لي : ومثلنا نحن نكشف عن أحمد ؟ ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم . فخرجت أستدلّ على منزل أحمد ، فدللت عليه ، فقرعت بابه ، فخرج إليَّ ، فقلت : يا أَبَا عَبْد الله رَجُل غريب نائي الدّار ، هذا أول دخولي هذا البلد ، وأنا طالب حديث ، ومقيَّد سنّة ، ولم تكن رحلتي إلّا إليك . فقال : أدخل الأصطوان ، ولا يقع عليك عين . فدخلت ، فقال لي : وأين موضعك ؟ قلت : المغرب الأقصى . قَالَ : إفريقية ؟ فقلت له : أبعد من إفريقية ، أجوز من بلدي البحر إِلَى إفريقية ، الأندلس . قَالَ : إنّ موضعك لبعيد ، وما كان شيء أحبُّ إليَّ من أن أحسن عون مثلك ، غير أني ممتحن بما لعله قد بلغك ، فقلت له : بلى ، لقد بلغني ، وهذا أوّل دخولي ، وأنا مجهول العين عندكم ، فإن أذنت لي أن آتي كلَّ يوم فِي زيّ السّؤال ، فأقول عند الباب ما يقوله السؤال ، فتخرج إِلَى هَذَا الموضع ، فلو لم تحدثني كل يوم إلّا بحديث واحدٍ لكان لي فِيهِ كفاية . فقال لي : نعم ، على شرط أن لا تظهر في الحلق ، ولا عند المحدِّثين ، فقلت : لك شرطك . فكنت آخذ عودًا بيدي ، وألف رأسي بخرقةٍ مدنسَّة وآتي بابه ، فأصيح : الأجر ، رحمكم الله ، والسُّؤال هناك كذلك ، فيخرج إليَّ