تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
شَيْخًا كَبِيرًا رَفَعَ مِلْءَ كَفَّيْهِ تُرَابًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ ، فَعَجِبَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فِي السُّجُودِ بِسُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ عَجِبَ الْمُسْلِمُونَ بِسُجُودِ الْمُشْرِكِينَ مَعَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ سَمِعُوا مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَاطْمَأَنُّوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ لِمَا أُلْقِيَ فِي أُمْنِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَحَدَّثَهُمُ الشَّيْطَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَرَأَهَا فِي السَّجْدَةِ ، فَسَجَدُوا تَعْظِيمًا لِآلِهَتِهِمْ . وَفَشَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي النَّاسِ ، وَأَظْهَرَهَا الشَّيْطَانُ ، حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؛ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَحَدَّثُوا أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ وَصَلُّوا ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَمِنُوا بِمَكَّةَ ، فَأَقْبَلُوا سِرَاعًا ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ ، وَأُنْزِلَتْ : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) الْآيَاتِ . فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ قَضَاءَهُ وَبَرَّأَهُ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ انْقَلَبَ الْمُشْرِكُونَ بِضَلَالَتِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ ، وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابُهُ فِيمَنْ رَجَعَ ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ إِلَّا بِجِوَارٍ ، فَأَجَارَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ، فَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ مَا يَلْقَى أَصْحَابُهُ مِنَ الْبَلَاءِ ، وَعَذَّبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالسِّيَاطِ وَالنَّارِ ، وَعُثْمَانُ مُعَافًى لَا يُعْرَضُ لَهُ ، اسْتَحَبَّ الْبَلَاءَ ، فَقَالَ لِلْوَلِيدِ : يَا عَمُّ قَدْ أَجَرْتَنِي ، وَأُحِبُّ أَنْ تُخْرِجَنِي إِلَى عَشِيرَتِكَ فَتَبَرَّأَ مِنِّي ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، لَعَلَّ أَحَدًا آذَاكَ أَوْ شَتَمَكَ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا اعْتَرَضَ لِي أَحَدٌ وَلَا آذَانِي . فَلَمَّا أَبَى إِلَّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَقُرَيْشٌ فِيهِ كَأَحْفَلِ مَا كَانُوا ، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ يُنْشِدُهُمْ ، فَأَخَذَ الْوَلِيدُ بِيَدِ عُثْمَانَ وَقَالَ : إِنَّ هَذَا قَدْ حَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْ جِوَارِهِ ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ . فَقَالَ عُثْمَانُ : صَدَقَ ، أَنَا وَاللَّهِ أَكْرَهْتُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنِّي بَرِيءٌ . ثُمَّ جَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ فَنَالُوا مِنْهُ . قَالَ مُوسَى : وَخَرَجَ جَعْفَرُ بن أبي طالب في رهط من المسلمين فِرَارًا بِدِينِهِمْ إِلَى الْحَبَشَةِ ، فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَأَمَرُوهُمَا أَنْ يُسْرِعَا فَفَعَلَا ، وَأَهْدَوْا لِلنَّجَاشِيِّ فَرَسًا وَجُبَّةَ دِيبَاجٍ ، وَأَهْدَوْا لِعُظَمَاءِ الْحَبَشَةِ هَدَايَا ، فَقَبِلَ النَّجَاشِيُّ هَدِيَّتَهُمْ ، وَأَجْلَسَ
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 579 | الذهبي / بشار عوّاد معروف