تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
أَبِي الْعَاصِ . فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَقَّ لَهَا ، وَقَالَ : إِنْ رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها . قَالُوا : نَعَمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ . وَأَطْلَقُوهُ . فَأَخَذَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخَلِّي سَبِيلَ زَيْنَبَ ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النِّسَاءِ . وَاسْتَكْتَمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ . وَبَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنَ الأنصار ، فقال : كونا ببطن يأجج حتى تمر بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَانَهَا حَتَّى تَأْتِيَانِي بِهَا . وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ . فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ مَكَّةَ أَمَرَهَا بِاللُّحُوقِ بِأَبِيهَا ، فَتَجَهَّزَتْ . فَقَدَّمَ أَخُو زَوْجِهَا كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بَعِيرًا ، فَرَكِبَتْهُ وَأَخَذَ قَوْسَهُ وَكِنَانَتَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا نَهَارًا يَقُودُهَا . فَتَحَدَّثَ بِذَلِكَ رِجَالٌ ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهَا . فَبَرَكَ كنانة ونثر كنانته لما أدركوها لذي طُوًى ، فَرَوَّعَهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ بِالرُّمْحِ . فَقَالَ كِنَانَةُ : وَاللَّهِ لَا يَدْنُو مِنِّي رَجُلٌ إِلَّا وَضَعْتُ فِيهِ سَهْمًا . فَتَكَرْكَرَ النَّاسُ عَنْهُ . وَأَتَى أبو سفيان في جلة مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ : أَيُّهَا الرَّجُلُ كُفَّ عَنَّا نَبْلَكَ حَتَّى نُكَلِّمَكَ ، فَكَفَّ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ : إِنَّكَ لَمْ تُصِبْ . خَرَجْتَ بْالْمَرْأَةِ على رؤوس النَّاسِ عَلَانِيَةً ، وَقَدْ عَرَفْتَ مُصِيبَتَنَا وَنَكْبَتَنَا وَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا مِنْ مُحَمَّدٍ ، فَيَظُنُّ النَّاسُ إِذَا خَرَجْتَ بِابْنَتِهِ إِلَيْهِ عَلَانِيَةً أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ذُلٍّ أَصَابَنَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَّا وَهْنٌ وَضَعْفٌ ، وَلَعَمْرِي مَا بِنَا بِحَبْسِهَا عَنْ أَبِيهَا مِنْ حَاجَةٍ ، وَلَكِنِ ارْجَعْ بِالْمَرْأَةِ ، حَتَّى إِذَا هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّا رَدَدْنَاهَا ، فَسُلَّها سِرًّا وَأَلْحِقْهَا بِأَبِيهَا . قَالَ : فَفَعَلَ . ثُمَّ خَرَجَ بِهَا لَيْلًا ، بَعْدَ لَيَالٍ ، فَسَلَّمَهَا إِلَى زَيْدٍ وَصَاحِبَه . فقدم بِهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ . فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ بِمَالِهِ ، وَبِمَالٍ كَثِيرٍ لِقُرَيْشٍ . فَلَمَّا رَجَعَ لَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ فَأَصَابُوا مَا مَعَهُ ، وَأَعْجَزَهُمْ هَارِبًا ، فَقَدِمُوا بِمَا أَصَابُوا . وَأَقْبَلَ أَبُو الْعَاصِ فِي اللَّيْلِ ، حَتَّى دَخَل عَلَى زَيْنَبَ ، فَاسْتَجَارَ بِهَا فَأَجَارَتْهُ ، وَجَاءَ فِي طلب ماله . فلما خرج - صلى الله عليه وسلم - إلى الصبح وكبر
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف ) — صفحة 39 | الذهبي / بشار عوّاد معروف