النَّفْلِ الْمَدْخُولِ عِنْدَ ثَلَاثَةِ أَوْقَاتِ إجْمَاعًا أَحَدُهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَيْ ظُهُورِ حَاجِبِهَا مِنْ الْأُفُقِ حَمْرَاءَ إلَى بَيَاضِهَا بِارْتِفَاعِ جَمِيعِهَا وَثَانِيهَا عِنْدَ غُرُوبِهَا أَيْ اسْتِتَارِ طَرَفِهَا الْمُوَالِي لِلْأُفُقِ إلَى ذَهَابِ جَمِيعِهَا لِخَبَرِ لَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ فَقِيلَ قَرْنَاهُ جَانِبَا رَأْسِهِ وَقِيلَ مَعْنَى الْقَرْنِ الْقُوَّةُ أَيْ تَطْلُعُ حِينَ قُوَّةِ الشَّيْطَانِ وَالرَّاجِحُ كَوْنُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ جَانِبَا رَأْسِهِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يُدْنِيَ رَأْسَهُ إلَى الشَّمْسِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِيَصِيرَ السَّاجِدُ لَهَا كَالسَّاجِدِ لَهُ ، وَثَالِثُهَا عِنْدَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ خَوْفًا مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ سَمَاعِهَا الْوَاجِبِ وَسَوَاءٌ الدَّاخِلُ وَالْجَالِسُ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ عِنْدَ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ بَلْ وَقْتَ جُلُوسِهِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ صُعُودِهِ لِلْمِنْبَرِ .
وَإِنَّمَا اُقْتُصِرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي جَمْعِ النَّظَائِرِ وَاتِّكَالًا عَلَى مَا يُحَرِّرُهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ حُرْمَةَ النَّفْلِ حِينَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ النَّفْلِ بِهِ وَلِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِوَقْتٍ وَإِنَّمَا هُوَ لِوُجُوبِ الِاشْتِغَالِ بِالْمُقَامَةِ وَلِئَلَّا يُطْعَنَ فِي الْإِمَامِ فَهُوَ لِأَمْرٍ آخَرَ كَنَفْلِ مَنْ خَشِيَ خُرُوجَ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ وَمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ وَلَا يُقَالُ النَّفَلُ عِنْدَ الْخُطْبَةِ أَيْضًا لَيْسَ لِخُصُوصِ الْوَقْتِ بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ هُوَ السَّمَاعُ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُنْضَبِطَةً بِوَقْتٍ وَتُكَرَّرُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ وَاخْتَصَّ التَّحْرِيمُ فِيهَا بِالنَّفْلِ شَابَهَتْ الْوَقْتَ الْمَحْدُودَ وَالْمُخْتَصَّ بِذَلِكَ ( ص ) وَكُرِهَ بَعْدَ فَجْرٍ وَفَرْضِ عَصْرٍ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ وَتُصَلَّى الْمَغْرِبُ ( ش ) يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ صَلَاةُ النَّفْلِ الْمُقَابِلِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَبَعْدَ أَدَاءِ فَرْضِ الْعَصْرِ ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قُدِّمَتْ عَلَى الْوَقْتِ كَمَا فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَلَا بَأْسَ بِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّهِ وَقَدْ صَلَّاهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِذَاتِ الْوَقْتِ بَلْ إمَّا حِمَايَةُ التَّطَرُّقِ إلَى الصَّلَاةِ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ أَوْ حَقًّا لِلْفَرْضَيْنِ لِيَكُونَ مَا بَعْدَهُمَا مَشْغُولًا بِمَا يَتْبَعُهُمَا مِنْ دُعَاءٍ وَنَحْوِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْمَازِرِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَشْفَعُ مَنْ ذُكِرَ بَعْدَ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَنَّهُ صَلَّاهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ نَفْلًا بَعْدَ الْعَصْرِ وَهَذَا مُحْتَرَزُ تَقْيِيدِنَا أَوَّلًا النَّفَلَ بِالْمَدْخُولِ عَلَيْهِ وَيَمْتَدُّ كَرَاهَةُ النَّفْلِ بَعْدَ الْفَجْرِ
شرح
الْمُفْسَدِ ، وَالنَّفَلِ الْمَنْذُورِ ( قَوْلُهُ : النَّفْلِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ ) اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مَدْخُولٍ عَلَيْهِ كَمَنْ ذَكَرَ بَعْدَ رَكْعَةٍ مِنْ عَصْرِهِ أَنَّهُ صَلَّاهُ ، فَإِنَّهُ يُشَفِّعُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِدْ نَفْلًا بَعْدَهُ ( قَوْلُهُ : لَا تَتَحَرَّوْا ) بِفَتْحِ الرَّاءِ ( قَوْلُهُ : بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ إلَخْ ) الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى ( قَوْلُهُ : قِيلَ مَعْنَى الْقَرْنِ الْقُوَّةُ ) فَتَكُونُ التَّثْنِيَةُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُوَّةِ تِلْكَ الْقُوَّةِ كَأَنَّهَا قُوَّتَانِ ، وَاسْتِعْمَالُ الْقَرْنِ فِي الْقُوَّةِ مِنْ اسْتِعْمَالِ اسْمِ السَّبَبِ فِي الْمُسَبَّبِ لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْ الْقَرْنِ الْقُوَّةُ ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأَصْلَ إبْقَاءُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ إلَّا لِدَاعٍ وَلَا دَاعِيَ هُنَا ( قَوْلُهُ : لَهَا ) أَيْ عِنْدَهَا ( قَوْلُهُ : خَوْفًا مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ سَمَاعِهَا الْوَاجِبَ ) أَيْ عَنْ اسْتِمَاعِهَا الْوَاجِبَ وَأَرَادَ بِهِ السُّكُوتَ فَلَوْ تَفَكَّرَ بِدُونِ كَلَامٍ حَتَّى لَمْ يَسْمَعْ مَا قَالَ الْإِمَامُ فَلَا يَأْثَمُ رَاجِعْ بَابَ الْجُمُعَةِ وَاحْتُرِزَ بِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عَنْ خُطْبَةِ غَيْرِهَا فَالصَّلَاةُ وَقْتَهَا مَكْرُوهَةٌ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ عج ( قَوْلُهُ : بَلْ وَقْتَ جُلُوسِهِ ) وَكَذَلِكَ عِنْدَ صُعُودِهِ أَيْ الْمُعْتَادِ فَلَوْ جَاءَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ بِأَنْ بَادَرَ فَيُعْتَبَرُ الْوَقْتُ الْمُعْتَادُ فِيمَا يَظْهَرُ ( قَوْلُهُ : فِي جَمْعِ النَّظَائِرِ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ إلَّا نَظَائِرَ تَكُونُ مُتَوَافِقَةً عَلَى الْحُكْمِ فِيهَا وَلَا يُسَلِّمُ أَيْ فَسُكُوتُهُ عَنْ وَقْتِ الْجُلُوسِ ، وَالصُّعُودِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مَعَ أَنَّ السُّيُورِيَّ يَقُولُ الرُّكُوعُ لِلدَّاخِلِ وَقْتَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَوْلَى .
( قَوْلُهُ : لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ النَّفْلِ بِهِ ) أَيْ بِالْحُرْمَةِ ، وَالْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ أَيْ أَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَى النَّفْلِ بَلْ الْفَرْضُ كَذَلِكَ وَذُكِرَ لِكَوْنِهَا بِمَعْنَى الْمَنْعِ أَيْ كَمَا يَحْرُمُ النَّفَلُ يَحْرُمُ غَيْرُهُ ( قَوْلُهُ وَلِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِوَقْتٍ ) أَيْ أَنَّ تَحْرِيمَ النَّفْلِ وَقْتَ الْإِقَامَةِ لَيْسَ مُعَيَّنًا فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ كَكَوْنِهِ عَقِبَ الزَّوَالِ مَثَلًا بِحَيْثُ يَكُونُ تَحْرِيمُهُ لِذَاتِ الْوَقْتِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَيْسَ لَهَا زَمَنٌ مَخْصُوصٌ ( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا هُوَ لِوُجُوبِ الِاشْتِغَالِ بِالْإِقَامَةِ ) أَيْ بِذَاتِ الْإِقَامَةِ أَوْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ الْمُقَامَةَ أَيْ الصَّلَاةَ الْمُقَامَةَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدْت فِي الشَّيْخِ سَالِمٍ الْمُقَامَةَ ( قَوْلُهُ : وَإِنَّمَا هُوَ ) أَيْ التَّحْرِيمُ ( قَوْلُهُ : يَطْعَنُ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( قَوْلُهُ : وَلَا يُقَالُ النَّفَلُ ) أَيْ حُرْمَةُ النَّفْلِ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مُنْضَبِطَةً بِوَقْتٍ ) أَيْ وَهُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَتَكَرَّرَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ وَاخْتَصَّ التَّحْرِيمُ فِيهَا بِالنَّفْلِ شَابَهَتْ أَيْ شَابَهَ وَقْتُهَا الْوَقْتَ الْمَحْدُودَ الْمُخْتَصَّ بِذَلِكَ أَيْ بِتَحْرِيمِ النَّفْلِ فَكَانَ التَّحْرِيمُ لِذَاتِ الْوَقْتِ وَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ لِأَمْرٍ آخَرَ هُوَ السَّمَاعُ ( قَوْلُهُ : بِالنَّفْلِ ) أَيْ دُونَ الْفَرْضِ فَالْحَصْرُ إضَافِيٌّ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَحْرُمُ غَيْرُ النَّفْلِ ، وَالْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُور عَلَيْهِ ( قَوْلُهُ : وَكُرِهَ بَعْدَ فَجْرٍ ) وَلَوْ لِدَاخِلِ مَسْجِدٍ وَقَوْلُهُ وَفَرْضُ عَصْرٍ لَا بَعْدَ أَذَانِهِ وَقَبْلَ صَلَاتِهِ وَهَذَا حِكْمَةُ قَوْلِهِ وَفَرْضُ عَصْرٍ دُونَ وَعَصْرٍ .
( قَوْلُهُ : قِيدَ رُمْحٍ ) أَيْ قَدْرَ رُمْحٍ وَمُرَادُهُ أَرْمَاحُ الْعَرَبِ وَقَدْرُهُ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا أَيْ بِالشِّبْرِ الْمُتَوَسِّطِ ( قَوْلُهُ : أَوْ حَقًّا لِلْفَرْضَيْنِ إلَخْ ) فِيهِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ كَمَا يَتْبَعُهُمَا دُعَاءٌ وَغَيْرُهُ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَكْبِيرٍ يَتْبَعُ غَيْرَهُمَا الثَّانِي : أَنَّ النَّفَلَ بَعْدَ الْفَرْضِ حِكْمَتُهُ كَوْنُهُ جَابِرًا لِلْفَرْضِ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي لَا يَقْصِدُهُ فَهَذِهِ تَبَعِيَّةٌ تُؤَكِّدُ طَلَبَهُ أَعْظَمَ مِنْ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ تَأَكُّدَ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ بَعْدَهُمَا آكَدُ وَأَزْيَدُ مِنْ نَفْسِهِ بَعْدَ غَيْرِهِمَا ( قَوْلُهُ : عَلَى قَوْلَيْنِ إلَخْ ) أَيْ فِي الْعِلَّةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ غَيْرَ أَنَّ الْأَبِيَّ كَمَا فِي الْحَطَّابِ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ فَقَطْ ( قَوْلُهُ : مَنْ ذَكَرَ بَعْدَ رَكْعَةٍ ) وَلَوْ ذَكَرَ قَبْلَ رُكُوعِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ قَطْعُهُ وَلَوْ ذَكَرَ بَعْدَ إحْرَامِهِ فِيمَا يَجُوزُ النَّفَلُ بَعْدَهُ جَرَى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ