قال أبو جعفر : وذلك قريب المعنى مما بَيَّنَّا ، وذلك أن ما شابه الشيء ، فقد وافقه من الوجه الذي شابهه .
وإنما معنى الكلام : أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرِّمونها ، عدة الأشهر الأربعة التي حرَّمها الله ، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها ، وإن قدَّموا وأخَّروا . فذلك مواطأة عِدتهم عدَّةَ ما حرّم الله .
* * *
القول في تأويل قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ ( 38 ) }
قال أبو جعفر : وهذه الآية حثٌّ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم ، وذلك غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك .
يقول جل ثناؤه : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله = ( ما لكم ) ، أيّ شيء أمرُكم = ( إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ) ، يقول : إذا قال لكم رسولُ الله محمدٌ = ( انفروا ) ، أي : اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم .
* * *
وأصل " النفر " ، مفارقة مكان إلى مكان لأمرٍ هاجه على ذلك . ومنه : " نفورًا الدابة " . غير أنه يقال : من النفر إلى الغزو : " نَفَر فلان إلى ثغر كذا ينْفِر نَفْرًا ونَفِيرًا " ، وأحسب أن هذا من الفروق التي يفرِّقون بها بين اختلاف المخبر عنه ، ( 1 )
هامش
( 1 ) يعني أبو جعفر ، أنهم لم يقولوا في النفر إلى الغزو " نفورا " في مصدره ، وقد أثبتت كتب اللغة أنه يقال في مصدره " نفر إلى الغزو نفورا " .