قولُهُ : ( ممَّنْ يُجْمَعُ حديثه ) ( 1 ) ، أي : ممّن هو في جلالتِهِ في إمامتِهِ ، وكثرة حديثه ، بحيث يُجمع حديثُهُ ، وإنْ لم يجمع بالفعلِ ، وليسَ المعنى ممّن جرتْ عادة المحدّثينَ بأنْ جمعوا حديثهم حَتّى يكون قيداً .
قولُهُ : ( فإِذَا رَوى الجَماعةُ عَنهم ) ( 2 ) ، أي : إذا رَوى عنْ هؤلاءِ الأئمةِ ، الذينَ هم ، بحيثُ يجمع حديثَهم الجماعة الثلاثة فما فوقها ، سمي ذلكَ الحديث مشهوراً ، هكذا كنت فهمته ثمّ رأيتُ في تعاليق عَنْ شيخنا : أنَّ اللامَ في الجماعةِ ، وإنْ كانتْ للجنسِ ، فإنّها للأربعةِ فصاعداً ؛ لأنَّه قد تقدّم أنّه سمى ما رواه ثلاثةٌ عزيزاً ، ولم يتعقبه ابنُ الصلاح ولا الشيخُ ، والذي استقرَّ عليهِ الاصطلاحُ ، وهو الذي في النظمِ ، أنَّ العزيزَ : ما انفردَ بروايتِهِ اثنانِ في موضعٍ ما من سندِهِ ، هكذا قال .
ويمكن ردُّ كلام ابن منده إليه ، فإنَّهُ ذكر أنَّه إذا انفردَ راويان كانَ عزيزاً ، وإنّما ذَكَرَ الثلاثةَ في العزيز تنبيهاً على أنَّهُ يكفي في تسميتهِ عزيزاً أنْ ينفردَ به اثنانِ في موضعٍ واحدٍ مِنْ سنده ، وإن كان مشهوراً في باقي السندِ كلّه ؛ لئلا يتوهم أنَّه يشترط في تسميتِهِ عزيزاً ، أنْ يرويه اثنان عن اثنين في جميعِ سندهِ منْ غير زيادةٍ ، فإنَّ بعضهم شَرَطَ ذلك ، وأنكره ابنُ حبانَ / 263 ب / شرطاً ووجوداً ، قالَ شيخُنا في شرحه " للنّخبة " ( 3 ) : ( ( وسمِّي بذلك ؛ إمّا لقلَّةِ وجودِهِ ؛ وإمّا لكونِهِ عَزَّ ، أي : قوي بمجيئِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى ، ولَيْسَ شَرْطاً لِلصَّحِيحِ ، خِلافاً لِمَنْ زَعَمَهُ ، وهُو أبو عليٍّ الجُبَّائي ( 4 ) من المعتزلة ، وإِليه يومئ كلامُ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ في
" علوم الحديث "
هامش
( 1 ) شرح التبصرة والتذكرة 2 / 73 وفيه : ( ( ممن يجمع حديثهم ) ) ، وهذا من كلام ابن منده الذي تقدم نقله .
( 2 ) شرح التبصرة والتذكرة 2 / 73 ، وهو أيضاً من كلام ابن منده .
( 3 ) نزهة النظر : 28 - 30 .
( 4 ) وهو شيخ المعتزلة أبو علي محمد بن عبد الوهاب البصري ، له تصانيف عدة منها : " النهي عن المنكر " و " التعديل والتجويز " و " التفسير الكبير " ، توفي سنة ( 303 ه ) .
انظر : الأنساب 1 / 383 ، وسير أعلام النبلاء 14 / 183 .