وقال بعض نحويي الكوفة : إنهم قالوا : " هذا سحر " ، ولم يقولوه بالألف ، لأن أكثر ما جاء بغير ألف . قال : فيقال : فلم أدخلت الألف ؟ فيقال : قد يجوز أن تكون من قِيلهم وهم يعلمون أنه سحر ، كما يقول الرجل للجائزة إذا أتته : أحقٌّ هذا ؟ وقد علم أنه حق . قال : وقد يجوز أن تكون على التعجّب منهم : أسحر هذا ؟ ما أعظمه ! ( 1 )
* * *
قال أبو جعفر : وأولى ذلك في هذا بالصواب عندي أن يكون المفعولُ محذوفًا ، ويكون قوله : ( أسحر هذا ) ، من قيل موسى ، منكرًا على فرعون وملئه قولَهم للحق لما جاءهم : " سحر " ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : قال موسى لهم : ( أتقولون للحق لما جاءكم ) = وهي الآيات التي أتاهم بها من عند الله حجة له على صدقه = سحرٌ ، أسحرٌ هذا الحقّ الذي ترونه ؟ فيكون " السحر " الأوّل محذوفًا ، اكتفاءً بدلالة قول موسى ( أسحر هذا ) ، على أنه مرادٌ في الكلام ، كما قال ذو الرمة .
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ ، أَوْ حِينَ نَصَّبَت . . . لَهُ مِنْ خَدَّا آذَانِهَا وَهْوَ جَانِحُ ( 2 )
يريد : أو حين أقبل ، ثم حذف اكتفاءً بدلالة الكلام عليه ، وكما قال جل ثناؤه : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ) [ سورة الإسراء : 7 ] ، والمعنى : بعثناهم ليسوءوا وجوهكم = فترك ذلك اكتفاء بدلالة الكلام عليه ، في أشباه لما ذكرنا كثيرة ، يُتْعب إحصاؤها .
* * *
وقوله : ( ولا يفلح الساحرون ) ، يقول : ولا ينجح الساحرون ولا يَبْقون . ( 3 )
* * *
هامش
( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 474 .
( 2 ) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1 : 327 ، تعليق : 2 .
( 3 ) انظر تفسير " الفلاح " فيما سلف ص : 146 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .