قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى " ، فهو الرجل الذي لا يستجيب لهدى الله ، وهو رجل أطاعَ الشيطان ، وعمل في الأرض بالمعصية ، وحار عن الحقّ وضل عنه ، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ، ويزعمون أن الذي يأمرونه هدًى . يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس : إن الهدى هدى الله ، والضلالة ما تدعو إليه الجنّ .
* * *
فكأنّ ابن عباس = على هذه الرواية = يرى أن أصحاب هذا الحيران الذين يدعونه إنما يدعونه إلى الضلال ، ويزعمون أنّ ذلك هدى ، وأنّ الله أكذبهم بقوله : " قل إنّ هدى الله هو الهدى " ، لا ما يدعوه إليه أصحابه .
وهذا تأويل له وجه ، لو لم يكن الله سمى الذي دعا الحيرانَ إليه أصحابه " هدى " ، وكان الخبر بذلك عن أصحابه الدعاة له إلى ما دعوه إليه : أنهم هم الذين سموه ، ولكن الله سماه " هدى " ، وأخبر عن أصحاب الحيران أنهم يدعونه إليه . وغير جائز أن يسمي الله " الضلال " هدى ، لأن ذلك كذب ، وغير جائز وصف الله بالكذب ، لأن ذلك وصفه بما ليس من صفته . وإنما كان يجوز توجيه ذلك إلى الصواب ، لو كان ذلك خبرًا من الله عن الداعي الحيران أنهم قالوا له : " تعال إلى الهدى " ، فأما وهو قائل : " يدعونه إلى الهدى " ، فغير جائز أن يكون ذلك ، وهم كانوا يدعونه إلى الضلال .
* * *
وأما قوله : " ائتنا " ، فإن معناه : يقولون : ائتنا ، هلم إلينا = فحذف " القول " ، لدلالة الكلام عليه .
* * *
وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك : ( يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى بَيِّنًا ) .
13430 - حدثنا بذلك ابن وكيع قال ، حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 454
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٥٤