وأما " المائدة " فإنها " الفاعلة " من : " ماد فلان القوم يَميدهم مَيْدًا " ، إذا أطعمهم ومارهم ، ومنه قول رؤبة :
نُهْدِي رُؤُوسَ المتْرَفينَ الأنْدَادْ . . . إلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ ( 1 )
يعني بقوله : " الممتاد " ، المستعْطَى . ف " المائدة " المطعِمة ، سميت " الخوان " بذلك ، لأنها تطعم الآكل ممّا عليها . و " المائد " ، المُدَار به في البحر ، يقال : " مادَ يَمِيدُ مَيْدًا " .
* * *
وأما قوله : " قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " ، فإنه يعني : قال عيسى للحواريّين القائلين له : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " = راقبوا الله ، أيها القوم ، وخافوه ( 2 ) أن يَنزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا ، فإن الله لا يعجزه شيء أراده ، وفي شكّكم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء ، كفرٌ به ، فاتقوا الله أن يُنزل بكم نقمته = " إن كنتم مؤمنين " ، يقول : إن كنتم مصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم : " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء " ؟
* * *
هامش
( 1 ) ديوانه : 40 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 183 ، واللسان ( ميد ) ، وسيأتي في التفسير 12 : 84 ( بولاق ) ، من رجز تمدح فيه بنفسه ، ومدح قومه تميما وسعدًا وخندفًا . ثم قبله في آخرها يذكر قومه : نَكْفِي قُريشًا مَنْ سَعَى بِالإفْسَادْ . . . مِنْ كُلِّ مَرْهُوبِ الشِّقَاقِ جَحَّادْ
ومُلْحِدٍ خَالَطَ أَمْرَ الإلْحَادْ
وقوله : " نهدي " بالنون ، لا بالتاء كما في لسان العرب ، وكما كان في المطبوعة هنا . و " المترفون " : المتنعمون المتوسعون في لذات الدنيا وشهواتها . و " الأنداد " جمع " ند " ( بكسر النون ) وهو هنا بمعنى " الضد " ، يقال للرجل إذا خالفك ، فأردت وجهًا تذهب إليه ، ونازعك في ضده : " هو ندى ، ونديدي " . ويأتي أيضًا بمعنى " المثل والشبيه " . ورواية الديوان ، ورواية أبي جعفر في المكان الآتي بعد : " الصداد " ، جمع " صاد " ، وهو المعرض المخالف . يقول : نقتل الخارجين على أمير المؤمنين ، ثم نهدي إليه رؤوسهم ، وهو المسؤول دون الناس .
( 2 ) في المطبوعة : " وخافوا " ، وأثبت ما في المخطوطة .