يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين ، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس ، فيوصي إليهما ، ويدفع إليهما ميراثه . فيقبلان به . فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مالَ صاحبهم ، تركوا الرجلين . وإن ارتابوا ، رفعوهما إلى السلطان . فذلك قوله : " تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم " . قال عبد الله بن عباس : كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره ، ( 1 ) ففتح الصحيفة ، فأنكر أهل الميت ، وخوَّنوهما . فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر ، فقلت له : " إنهما لا يباليان صلاة العصر ، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما ، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما ، ويحلفان بالله : لا نشتري ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنّا إذًا لمن الآثمين ، أنّ صاحبهم لبهذا أوصى ، وأنّ هذه لتركته . فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا : إنكما إن كنتما كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ، ولم تجز لكما شهادة ، وعاقبتكما ! فإذا قال لهما ذلك ، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا ، قولُ من قال : " تحبسونهما من بعد صلاة العصر " . لأن الله تعالى عرَّف " الصلاة " في هذا الموضع بإدخال " الألف واللام " فيها ، ولا تدخلهما العرب إلا في معروف ، إما في جنس ، أو في واحد معهود معروف عند المتخاطبين . فإذا كان كذلك ، وكانت " الصلاة " في هذا الموضع مجمعًا على أنه لم يُعْنَ بها جميع الصلوات ، لم يجز أن يكون مرادًا بها صلاة المستحلَف من اليهود والنصارى ، لأن لهم صلوات ليست واحدة ، فيكون معلومًا أنها المعنيَّة بذلك . فإذْ كان ذلك كذلك ، صح أنها صلاة بعينها من صلوات المسلمين . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم
هامش
( 1 ) " العلج " ( بكسر العين وسكون اللام ) : الرجل من كفار العجم .