القول في تأويل قوله : { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( 191 ) }
قال أبو جعفر : يعني بذلك تعالى ذكره : " ويتفكرون في خلق السماوات والأرض " قائلين : " ربنا ما خلقت هذا باطلا " ، فترك ذكر " قائلين " ، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه .
* * *
وقوله : " ما خلقت هذا باطلا " يقول : لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا ، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة ، وإنما قال : " ما خلقت هذا باطلا " ولم يقل : " ما خلقت هذه ، ولا هؤلاء " ، لأنه أراد ب - " هذا " ، الخلقَ الذي في السماوات والأرض . يدل على ذلك قوله : " سبحانك فقنا عذاب النار " ، ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم . ولو كان المعنيّ بقوله : " ما خلقت هذا باطلا " ، السماوات والأرض ، لما كان لقوله عقيب ذلك : " فقنا عذاب النار " ، معنى مفهوم . لأن " السماوات والأرض " أدلة على بارئها ، لا على الثواب والعقاب ، وإنما الدليل على الثواب والعقاب ، الأمر والنهي .
وإنما وصف جل ثناؤه : " أولي الألباب " الذين ذكرهم في هذه الآية : أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيّين قالوا : " يا ربنا لم تخلُق هؤلاء باطلا عبثًا سبحانك " ، يعني : تنزيهًا لك من أن تفعل شيئًا عبثًا ، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر ، لجنة أو نار .
ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار ، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره ، فيكونوا من أهل جهنم .
* * *
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 476
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٤٧٦