تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
يقال له أبو عبس . فأتوه وهو في مجلس قومه بالعَوَالي ، ( 1 ) فلما رآهم ذعر منهم ، فأنكر شأنهم ، وقالوا : جئناك لحاجة ! قال : فليدن إليّ بعضكم فليحدثني بحاجته . فجاءه رجل منهم فقال : جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنستنفق بها . ( 2 ) فقال : والله لئن فعلتم لقد جُهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل ! فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين هدأ عنهم الناس ، ( 3 ) فأتوه فنادوه ، فقالت امرأته : ما طَرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب ! قال : إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم . ( 4 ) قال معمر : فأخبرني أيوب ، عن عكرمة : أنه أشرف عليهم فكلمهم ، فقال : أترهَنُوني أبناءكم ؟ وأرادوا أن يبيعهم تمرًا . قال ، فقالوا : إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال : " هذا رهينة وَسْق ، وهذا رهينة وسقين " ! ( 5 ) فقال : أترهنوني نسائكم ؟ قالوا : أنت أجملُ الناس ، ولا نأمنك ! وأي امرأة تمتنع منك لجمالك ! ولكنا نرهنك سلاحنا ، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم . فقال : ائتوني بسلاحكم ، واحتملوا ما شئتم . قالوا : فأنزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا . فذهب ينزل ، ( 6 )
هامش
( 1 ) " العوالي " ، جمع عالية . و " العالية " : اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة ، من قراها وعمائرها إلى تهامة ، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهو " السافلة " . وعوالي المدينة ، بينها وبين المدينة أربعة أميال ، وقيل ثلاثة ، وذلك أدناها ، وأبعدها ثمانية . ( 2 ) استنفق بالمال : جعله نفقة يقضى بها حاجته وحاجة عياله . ( 3 ) هدأ عنهم الناس : سكن عنهم الناس وقلت حركتهم وناموا . وفي المخطوطة : " حين هدى عنهم الناس " بطرح الهمزة ، وهو صواب جيد ، جاء في شعر ابن هرمة ، من أبياته الأليمة الموجعة : لَيْتَ السَّبَاعَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً . . . وَأَنَّنَا لا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدَا إِنَّ السِّبَاعَ لَتَهْدَا عَنْ فَرائِسِهَا . . . وَالنَّاسُ لَيْسَ بِهَادٍ شَرُّهُمْ أَبَدَا يريد : " لتهدأ " و " بهادئ شرهم " . ( 4 ) هذا بدأ سياق آخر للخبر ، منقطع عما قبله من خبر الزهري ، ولم يتم خبر الزهري ، بل أتم خبر عكرمة الذي أدخله على سياقه . ( 5 ) " الوسق " كيل معلوم ، قيل : هو حمل بعير ، وقيل : ستون صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم . ( 6 ) قوله : " ذهب ينزل " ، أي تحرك لينزل ، و " ذهب " من ألفاظ الاستعانة التي تدخل على الكلام لتصوير حركة ، أو بيان فعل مثل قولهم : " قعد فلان لا يمر به أحد إلا سبه " ، أو " قعد لا يسأله سائل إلا حرمه " ، لا يراد به حقيقة القعود ، بل استمرار ذلك منه واتصاله ، وحاله عند رؤية الناس ، أو طروق السائل . واستعمال " ذهب " بهذا المعنى كثير الورود في كلامهم ، وإن لم تذكره كتب اللغة .