يمتعكموها الغرور والخداع المضمحلّ الذي لا حقيقة له عند الامتحان ، ولا صحة له عند الاختبار . فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم ، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره . يقول تعالى ذكره : ولا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها ، فإنما أنتم منها في غرور تمتَّعون ، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون . ( 1 )
* * *
وقد روي في تأويل ذلك ما : -
8314 - حدثني به المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن بكير بن الأخنس ، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله : " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " ، قال : كزاد الراعي ، تزوِّده الكفّ من التمر ، أو الشيء من الدقيق ، أو الشيء يشرب عليه اللبن .
* * *
فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا ، إلى أن معنى الآية : وما الحياة الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه ولا يكفيه لسفره . وهذا التأويل ، وإن كان وجهًا من وجوه التأويل ، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا . لأن " الغرور " إنما هو الخداع في كلام العرب . وإذ كان ذلك كذلك ، فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة ، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور . وأما الذي هو في غرور ، فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور .
* * *
و " الغرور " مصدر من قول القائل : " غرني فلان فهو يغرُّني غرورًا " بضم " الغين " . وأما إذا فتحت " الغين " من " الغرور " ، فهو صفة للشيطان الغَرور ، الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته .
* * *
وقد :
8315 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبدة وعبد الرحيم قالا حدثنا
هامش
( 1 ) انظر تفسير : " المتاع " فيما سلف 1 : 539 ، 540 / 3 : 55 .