ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك .
فقال بعض نحويي الكوفة : ( 1 ) معنى ذلك : لا يحسبن الباخلون البخلَ هو خيرًا لهم = فاكتفى بذكر " يبخلون " من " البخل " ، كما تقول : " قدم فلان فسررت به " ، وأنت تريد : فسررت بقدومه . و " هو " ، عمادٌ . ( 2 )
* * *
وقال بعض نحويي أهل البصرة : إنما أراد بقوله : " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم " ( 3 ) = " لا يحسبن البخل هو خيرًا لهم " ، ( 4 ) فألقى الاسم الذي أوقع عليه " الحسبان " به ، هو البخل ، لأنه قد ذكر " الحسبان " وذكر ما آتاهم الله من فضله " ، فأضمرهما إذ ذكرهما . ( 5 )
هامش
( 1 ) هو الفراء .
( 2 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 104 ، 248 ، 249 ، وهو نص كلامه ، و " العماد " عند الكوفيين ، هو ضمير الفصل عند البصريين ، ويسمى أيضا " دعامة " و " صفة " ، انظر ما سلف 2 : 312 ، تعليق 2 / ثم ص 313 / ثم ص : 374 .
( 3 ) في المطبوعة : " ولا تحسبن " بالتاء ، والصواب بالياء كما أثبتها . وانظر التعليق السالف . وهي في المخطوطة غير منقوطة .
( 4 ) وكان في المطبوعة أيضا : " ولا تحسبن البخل " ، بالتاء ، والصواب بالياء ، وانظر التعليق السالف .
( 5 ) هكذا جاءت هذه الجملة من أولها ، وهي مضطربة أشد الاضطراب ، وكان في المطبوعة : " به وهو البخل " بزياد واو ، ولكني أثبت ما في المخطوطة كما هو على اضطراب الكلام . وقد جهدت أن أجد إشارة في كتب التفسير وإعراب القرآن ، إلى هذا الذي قاله البصري فيما رواه أبو جعفر ، فلم أجد شيئًا ، وأرجح أن الناسخ قد أسقط من الكلام سطرًا أو بعضه ، وأرجح أن سياق الجملة من أولها ، كان هكذا :
" وقال بعض نحوِّيى أهل البصرة : إِنّما أراد بقوله : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الذين يبخَلُونَ بما آتاهُمُ الله من فَضْله هو خيرًا لهم بل هو شَرٌّ لهم ) = : ولا يحسبَنَّ الذين يبخلونَ بما آتاهم الله من فضله ، لا يَحْسَبُنَّ البُخْلَ هو خيرًا لهم = فألقى " الحسبان " الثاني ، وألقى الاسمَ الذي أوقعَ عليه " الحسبان " . وما وقع " الحسبان " به هو البخل = لأنه قد ذكر " الحسبان " ، وذكر " ما آتاهم الله من فضله " ، فأضمرهما إذ ذكرهما " .
ويكون القائل هذا من أهل البصرة ، قد عنى أن هذه الآية شبيهة بأختها الآتية في سورة آل عمران : 188 ( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمفَازَةِ مِنَ العَذَابِ )
إذ كرر " لا تحسبن " تأكيدًا لما طال الكلام ، وهو صحيح كلام العرب وصريحه . فكذلك هو في هذه الآية ، على ما أرجح أن البصري قال ، كرر " الحسبان " ، ولكنه حذف " الحسبان " الذي كرره ، وأبقى الأول الذي ألجأ إلى التكرار والتوكيد .
ويعني بقوله : " أضمرهما " ، " الحسبان " الثاني في تأويله ، و " البخل " ، ولم أجد وجهًا يستقيم به الكلام غير هذا الوجه ، فإن أصبت فبحمد الله وتوفيقه ، وإن أخطأت ، فأسأل الله المغفرة بفضله .