الربيع بن أنس ، يقول : ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه - قال : ذكر لنا ، والله أعلم : أن هذه الآية أنزلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، وقد غَلّ طوائف من أصحابه .
* * *
وقال آخرون منهم : معنى ذلك : وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخوَّن ويسرَّق . وكأن متأولي ذلك كذلك ، وجَّهوا قوله : " وما كان لنبي أن يغل " إلى أنه مراد به : " يغَلَّل " ، ثم خففت " العين " من " يفعَّل " ، فصارت " يفعل " كما قرأ من قرأ قوله : ( فإنهم لا يكذبونك ) [ سورة الأنعام : 33 ] بتأوُّل : يُكَذِّبُونَك .
* * *
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي ، قراءة من قرأ : ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) بمعنى : ما الغلول من صفات الأنبياء ، ولا يكون نبيًّا من غلَّ .
وإنما اخترنا ذلك ، لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله : " وما كان لنبي أن يغل " أهلَ الغلول فقال : " ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " ، الآية والتي بعدها . فكان في وعيده عقيب ذلك أهلَ الغلول ، الدليلُ الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول ، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله : " وما كان لنبيّ أن يغلّ " . لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلول ، لعقَّب ذلك بالوعيد على التُّهَمة وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا بالوعيد على الغلول . وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول ، بيانٌ بيِّنٌ ، أنه إنما عرّف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتفٍ من صفة الأنبياء وأخلاقهم ، لأنّ ذلك جرم عظيم ، والأنبياء لا تأتي مثله .
* * *
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 354
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٥٤