صوته : " أنعمْتَ فعالِ ! إن الحرب سجال ، يوم بيوم بدر ، اعْلُ هُبَل " ، أي : أظهر دينك ، ( 1 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر : " قم فأجبه ، فقل : الله أعلى وأجل ! لا سواء ! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار " ! فلما أجاب عمر رضي الله عنه أبا سفيان ، قال له أبو سفيان : " هلم إليَّ يا عمر " ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ائته فانظر ما شأنُه " ؟ فجاءه ، فقال له أبو سفيان : أنشدك الله يا عمر ، أقتلنا محمدًا ؟ فقال عمر : اللهمّ لا وإنه ليسمع كلامك الآن ! . فقال : أنت أصدقُ عندي من ابن قميئة وأبرُّ ! = ( 2 ) لقول ابن قميئة لهم : إنّي قتلت محمدًا = ثم نادى أبو سفيان ، فقال : إنه قد كان في قتلاكم . مُثْلة ، والله ما رضيتُ ولا سخطتُ ، ولا نهيت ولا أمرتُ . ( 3 )
هامش
( 1 ) قوله : " أنعمت " ، أي جئت بالسهم الذي فيه " نعم " ، و " عال " ، أي : تجاف عنها - عن الأصنام - ولا تذكرها بسوء . يقال : " عال عني ، وأعل عني " ، أي تنح . وذلك أن الرجل من قريش من أهل الجاهلية ، كان إذا أراد ابتداء أمر ، عمد إلى سهمين فكتب على أحدهما " نعم " وعلى الآخر " لا " ، ثم يتقدم إلى الصنم ويجيل سهامه ، فإن خرج سهم " نعم " أقدم ، وإن خرج سهم " لا " امتنع . وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى أحد ، استفتى هبل ، فخرج له سهم الإنعام . فذلك تفسير كلمته . ومن لطيف أخبار الاستقسام بالأزلام . ما فعل امرؤ القيس ، حين قتل أبوه ، فاستقسم عند ذي الخلصة ، فأجال سهامه فخرج له السهم الناهي " لا " ثلاث مرات ، فجمع قداحه وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال له : " مصصت ببظر أمك ! لو أبوك قتل ما عقتني ! ! " ، ثم خرج فقاتل ، فظفر . فيقال إنه لم يستقسم بعد ذلك بقدح عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام ، وهدمه جرير بن عبد الله البجلي ، وأبطل الله أمر الجاهلية كله .
وقد قيل لأبي سفيان يوم الفتح : " أين قولك ، أنعمت فعال " ؟ فقال : " قد صنع الله خيرًا ، وذهب أمر الجاهلية " .
هذا وقد كان في المطبوعة : " أنعمت فقال إن الحرب سجال " ، وهو خطأ صرف . والحرب سجال : أي مرة لهذا ، ومرة لهذا . وقوله : " اعل هبل " قد شرحه ابن إسحاق ، فيظن بعض من يضبط السيرة أنه " أعل " ( بهمز الألف وسكون العين وكسر اللام ) وهو خطأ ، والصواب أنه أمر من " علا " ، يريد : زد علوًا .
( 2 ) في المطبوعة : " وأشار لقول ابن قميئة " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، والصواب منها ومن سيرة ابن هشام . وقوله : " وأبر " ، من " البر " ، وهو الصدق والخير كله .
( 3 ) الأثر 8066 - هذا الأثر مجموع من مواضع في السيرة كما أشرت إليه ، وهي في : سيرة ابن هشام 3 : 88 ، 89 / 3 : 91 ، وتاريخ الطبري 3 : 21 / والسيرة 3 : 99 .