تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
قال أبو جعفر : واختلف القراءة في قراءة قوله : " لا يضركم " . فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعضُ البصريين : ( لا يَضُرُّكُمْ ) مخففة بكسر " الضاد " ، من قول القائل : " ضارني فلان فهو يضيرني ضيرًا " . وقد حكي سماعًا من العرب : " ما ينفعني ولا يضورني " ، فلو كانت قرئت على هذه اللغة لقيل : ( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) ، ولكني لا أعلم أحدًا قرأ به " . ( 1 ) * * * وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة وعامة قراءة أهل الكوفة : ( لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) بضم " الضاد " وتشديد " الراء " ، من قول القائل : ضرّني فلان فهو يضرني ضرًا " . * * * وأما الرفع في قوله : " لا يضركم " ، فمن وجْهين . أحدهما : على اتباع " الراء " في حركتها = إذْ كان الأصل فيها الجزم ، ولم يمكن جزمها لتشديدها = أقربَ حركات الحروف التي قبلها . وذلك حركة " الضاد " وهي الضمة ، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها ، كما قالوا : " مُدُّ يا هذا " . والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك : أن تكون مرفوعة على صحة ، وتكون " لا " بمعنى " ليس " ، وتكون " الفاء " التي هي جواب الجزاء ، متروكة لعلم السامع بموضعها . وإذا كان ذلك معناه ، كان تأويل الكلام : وإن تصبروا وتتقوا ، فليس يضرُّكم كيدهم شيئًا - ثم تركت " الفاء " من قوله : " لا يضركم كيدهم " ، ووجهت " لا " إلى معنى " ليس " ، كما قال الشاعر : ( 2 ) فَإنْ كَانَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي . . . إلَى قَطَرِيٍّ ، لا إخَالُكَ رَاضِيَا ( 3 )
هامش
( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 232 . ( 2 ) هو سوار بن المضرب السعدي التميمي . ( 3 ) نوادر أبي زيد : 45 ، الكامل 1 : 300 ، حماسة ابن الشجري : 54 ، 55 ، معاني القرآن للفراء 1 : 232 ، من أبيات ضرب بها وجه الحجاج بن يوسف الثقفي ، لما كتب على بني تميم البعث إلى قتال الخوارج ، فهرب سوار وقال : أَقَاتِلِىَ الحَجَّاجُ أَنْ لَمْ أَزُرْ لَهُ . . . دَرَابَ ، وَأَتْرُكْ عِنْدَ هِنْدٍ فُؤَادِيَا ? فَإن كُنْتَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي . . . إلَى قَطَرِيٍّ ، لا إِخالُكَ رَاضِيَا ! ! إذَا جَاوَزَتْ دَرْبَ المُجِيزِينَ نَاقَتي . . . فَبِأسْتِ أبي الحَجَّاجِ لَمَّا ثَنَانِيَا أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وطَاعَتِي ، . . . وَدُونِي تَمِيمٌ ، والفَلاةُ وَرَائِيَا ! ! وقوله : " دراب " يعني : دراب جرد ، وهي بلدة في بلاد فارس ، وكان المهلب يومئذ يقاتل بها الخوارج ورأسهم قطري بن الفجاءة . ثم يقول له في البيت الثاني : إن كان لا يرضبيك إلا ردي إلى قتال قطري ، فلا أظنك تبلغ رضاك ، فإنك غير مدركي ، ولن تنالني يدك . يسخر بسطوة الحجاج . وقوله : " درب المجيزين " هم المقيمون على أبواب المدن والثغور . يمنعون الخارج والداخل ، إلا من كان بيده جواز معطى من أميره . يقول : إذا جاوزت الدرب فيا بعد يديك عن أن تنالني وتثنيني عن وجهتي ! والشاهد عند الطبري هو في قوله : " لا إخالك راضيًا " ، أي : فلست إخالك راضيًا .