وقال بعض نحويي البصرة ، قوله : " إلا بحبل من الله " استثناء خارجٌ من أول الكلام . قال : وليس ذلك بأشد من قوله : ( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا ) [ سورة مريم : 62 ]
* * *
وقال آخرون من نحويي الكوفة : هو استثناء متصل ، والمعنى : ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ، أي : بكل مكان = إلا بموضع حبل من الله ، كما تقول : ضُربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان .
* * *
وهذا أيضًا طلب الحق فأخطأ المفصل . وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل ، ولو كان متصلا كما زعم ، لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة . وليس ذلك صفة اليهود ، لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس ، أو بغير حبل من الله عز وجل وغير حبل من الناس ، فالذلة مضروبة عليهم ، على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل . فلو كان قوله : " إلا بحبل من الله وحبل من الناس " ، استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثُقفوا بعهد وذمة أن لا تكون الذلةُ مضروبةً عليهم . وذلك خلاف ما وصَفهم الله به من صفتهم ، وخلافُ ما هم به من الصفة ، فقد تبين أيضًا بذلك فساد قول هذا القائل أيضًا .
* * *
قال أبو جعفر : ولكن القول عندنا أن " الباء " في قوله : " إلا بحبل من الله " ، أدخلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتضٍ في المعنى " الباء " . وذلك أن معنى قوله : " ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا " ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا = ثم قال : " إلا بحبل من الله وحبل من الناس " على غير وجه الاتصال بالأول ، ولكنه على الانقطاع عنه . ومعناه : ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس ،
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 115
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١١٥