تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
حَنْتنِي حَانِيَاتُ الدَّهْرِ حَتَّى . . . كأَنِّي خَاتِلٌ أَدْنُو لِصَيْدِ ( 1 ) قَرِيبُ الخَطُوِ يَحْسِبُ مَنْ رَآنِي . . . وَلْسُت مقَيدًا أَنِّى بِقَيْدِ فأوجب إعمال فعل محذوف ، وإظهار صلته وهو متروك . ( 2 ) وذلك في مذاهب العربية ضعيف ، ومن كلام العرب بعيد . وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات ، فغير دالّ على صحة دعواه ، لأن في قول الشاعر : " رأتني بحبليها " ، دلالة بينة في أنها رأته بالحبل ممسكًا ، ففي إخباره عنها أنها " رأته بحبليها " ، إخبارٌ منه أنها رأته ممسكًا بالحبلين . فكان فيما ظهر من الكلام مستغنًى عن ذكر " الإمساك " ، وكانت " الباء " صلة لقوله : " رأتني " ، كما في قول القائل : ( 3 ) " أنا بالله " ، مكتف بنفسه ، ومعرفةِ السامع معناه ، أن تكون " الباء " محتاجة إلى كلام يكون لها جالبًا غير الذي ظهر ، وأن المعنى : " أنا بالله مستعين " . * * *
هامش
( 1 ) كتاب المعمرين : 57 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 230 ، والأغاني 2 : 353 ، 356 ، وفيه أيضا 12 : 347 ، وحماسة البحتري : 202 ، وأمالي القالي 1 : 110 ، وأمالي الشريف 1 : 46 ، 257 ، ومجموعة المعاني : 123 ، والمعاني الكبير : 1214 ، مع اختلاف كبير في الرواية ، واللسان ( ختل ) ، وغيرها . هذا ، وقد اقتصرت المطبوعة والمخطوطة على البيت الأول ، وهو عمل فاسد جدًا ، وليس من فعل أبي جعفر بلا شك ، ولكنه من سهو الناسخ . لأن أبا جعفر نقل مقالة الفراء في معاني القرآن ، وإسقاط البيت الثاني ، وهو بيت الشاهد ، فساد عظيم ، فأثبت البيت ، وأثبت أيضًا تعقيب الفراء عليه ، وهو قوله : " يريد مقيدًا بقيد " ، ولم أضع هذا بين أقواس ، لأن سهو الناسخ أمر مقطوع به بالدليل البين . وكان في المخطوطة والمطبوعة : " أحنو لصيد " ، وهو تصحيف لا شك فيه . ذلك أن أبا جعفر إنما ينقل مقالة الفراء ، وهو في كتاب الفراء ، وفيما نقله عنه الناقلون في المراجع السالفة ، هو الذي أثبته . هذا مع ظهور التصحيف وقربه ، ومع فساد معنى هذا التصحيف ، ومع فقدان هذه الرواية الغريبة . وقوله : " خاتل " ، يعني صائدًا ، يقال : " ختل الصيد " ، أي : استتر الصائد بشيء ليرمي الصيد ، فهو في سبيل ذلك يمشي قليلا قليلا في خفية ، لئلا يسمع الصيد حسه . فهذا هو الختل والمخاتلة . ( 2 ) " الصلة " هنا : الجار والمجرور . ( 3 ) في المطبوعة : " كما في قول القائل " بزيادة " في " ، وهي أشد إفسادًا للكلام من تصحيف هذا الناسخ في بعض ما يكتب . وقوله : " مكتف بنفسه " خبر لقوله : " كما قول القائل " وقوله : " ومعرفة السامع " معطوف على قوله : " بنفسه " أي : مكتف بنفسه وبمعرفة السامع معناه .