وقد زعم بعض أهل العربية أنها إنما حركت إلى الفتح في هذا الموضع ، لأنه آخر الحركات . ( 1 ) وليس للذي قال من ذلك معنى . لأن ذلك إنما كان جائزا أن يكون كذلك ، لو كان معنى الكلام : لا تضارر والدة بولدها ، ( 2 ) وكان المنهي عن الضرار هي الوالدة . على أن معنى الكلام لو كان كذلك ، لكان الكسر في " تضار " أفصح من الفتح ، والقراءة به كانت أصوب من القراءة بالفتح ، كما أن : " مد بالثوب " أفصح من " مد به " . ( 3 ) وفي إجماع القراءة على قراءة : " لا تضار " بالفتح دون الكسر ، دليل واضح على إغفال من حكيت قوله من أهل العربية في ذلك . ( 4 )
فإن كان قائل ذلك قاله توهما منه أنه معنى ذلك : لا تضارر والدة ، ( 5 ) وأن " الوالدة " مرفوعة بفعلها ، وأن " الراء " الأولى حظها الكسر ، فقد أغفل تأويل الكلام ، ( 6 ) وخالف قول جميع من حكينا قوله من أهل التأويل . وذلك أن الله تعالى ذكره تقدم إلى كل أحد ( 7 ) من أبوي المولود بالنهي عن ضرار صاحبه بمولودهما = لا أنه نهى كل واحد منهما عن أن يضار المولود . وكيف يجوز أن ينهاه عن مضارة الصبي ،
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " لأنه أحد الحركات " ، وهو كلام لا معنى له ، والصواب ما أثبت ، وقد مضى في مكان ما من التفسير مثل هذا الخطأ ، ولم أستطع أن أعثر عليه بعد . وقوله : " آخر الحركات " معناه : أخفها . فالضم أثقل الحركات ، ثم الكسر ، ثم الفتح أخفها وآخرها . وأما السكون فلا يعد في الحركات . وهذا الذي قاله الطبري هنا دليل قاطع على فساد الجملة التي كانت في ص : 46 ، 47 ( تعليق : 3 ) وأنه لا يجعل علة الفتح في معنى النهي : " أنه حرك إذ ترك التضعيف بأخف الحركات ، وهو الفتح " ، ودليل على أن الصواب ما استظهرته في التعليق . وسيظهر ذلك بينا في رده الذي يأتي بعقب هذه الجملة .
( 2 ) في المخطوطة والمطبوعة : " لا تضارن " ، وهو كلام لا معنى له . والصواب ما أثبت ( بضم التاء وكسر الراء الأولى ، وسكون الأخيرة ) ،
( 3 ) انظر شرح الشافية 2 : 243 .
( 4 ) إغفاله : دخوله في الغفلة ، كما أسلفنا في 1 : 151 ، تعليق : 1 ، وكذلك معنى قوله في الموضع الثاني " أغفل " ، أي : دخل في الغفلة .
( 5 ) في المطبوعة : " لا تضار " براء مشددة ، والصواب من المخطوطة . وقوله " مرفوعة بفعلها " ، أي أنه فعل لازم ، مثل " قاتل الرجل " .
( 6 ) إغفاله : دخوله في الغفلة ، كما أسلفنا في 1 : 151 ، تعليق : 1 ، وكذلك معنى قوله في الموضع الثاني " أغفل " ، أي : دخل في الغفلة .
( 7 ) في المطبوعة : " كل واحد " ، وهما قريبين . وقوله : تقدم إلى كذا بكذا ، أي أمر بأمر أو نهي .