تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
وكذلك يُقاسُ عليه الفِرارُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غير فئةٍ في كل موطن مثل بدر ، ولعلَّ هذا الوعيد إن شاء الله من قبيل قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ] لعلم الله أن أهل بدر لا يَفِرُّ منهم أحدٌ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويدعه للمشركين ، ولذلك قال الله تعالى بعد هذه الآية : { وليُبْلِي المؤمنين منه بلاءً حسناً إن الله سميعٌ عليمٌ } [ الأنفال : 17 ] ، ويدل على جواز تخصيص الوعيد العام ، وأن رحمة الله تعالى قد تغلبُ على غضبه المنصوص في الوعيد حيث يشاء سبحانه ، أن طائفةً من المسلمين قد انهزَمُوا يوم أحد ، فنَزَلَ القرآن صريحاً بالمغفرة لهم والعفو عنهم ، بل صرَّح بأن الله تعالى وليُّهم في قوله تعالى : { والله وليُّهُما } [ الأنعام : 127 ] ، وسُرَّ بعض المنهزمين بهذه الآية ، بل اعتذر الله سبحانه لهم لُطفاً بهم ، فقال : { إنما استزلَّهُم الشيطان ببعض ما كَسَبُوا } [ آل عمران : 155 ] كما نَزَلَ القرآن بالعفو عنهم في حديث الإفك في سورة النور مع أنه أحد الموبقات السبع ، ولم تشتهر التوبة عنهم في القصتين معاً ، بل الظاهر خصوصاً في حديث الإفك إصرار جميعهم أو بعضهم حتى نزلت مع أن الإفك من حقوق المخلوقين ، ولذلك كَرَّرَ الله آيات الرحمة في ذلك كقوله : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النور : 14 ] ، وقوله : { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيم } [ النور : 20 ] ، { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم } [ النور : 21 ] . ومن أرجى آيةٍ فيها قوله تعالى في قطع أبي بكر نفقة مِسْطَحٍ وحَلِفِه على ذلك ، لأن مِسْطَحاً كان من أهل الإفك ، فأنزل الله في قَسَمِ أبي بكر على قطع نفقته : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ النور : 22 ] فانظر كيف أثنى الله تعالى على مسطحٍ مع ذنبه المجمع على كبره ، بأنه من المهاجرين في سبيل الله ، وترحَّم له بأنه من المساكين ، وأمر بالعفو عنه ، ووَعَدَ بالمغفرة جزاءً لمن عفا عنه ، وهذه الآياتُ مدنيةٌ من آخر ما