القيامة مع عدم الذنوب ، وأعظم من ذلك ما وَرَدَ في أحاديث الشفاعة الصحاح من خوف كبار الأنبياء من ذنوبهم ، وامتناعهم من الشفاعة بسبب ما صدر منهم من الصغائر المغفورات التي لا قَدْرَ لها في جنب عظيمِ إحسانهم ورفيع مكانهم ومما قلتُ في ذلك :
إذا خافَ الخليلُ وخافَ موسى . . . وآدَمُ والمسيحُ وخافَ نوحُ
ولم يَتَشَفَّعُوا للناس خوفاً . . . فما لي لا أخافُ ولا أنوحُ
فالأمر عظيمٌ ، والخطبُ جسيمٌ ، والخوف من عذاب الرب العظيم عظيم ، لولا ما آنس قلوب العارفين من سَعةِ رحمة الرحمن الرحيم ، وعلى كُلِّ حال فما لنا إلاَّ رحمته ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
الأمر الثالث من الأصل ما تعلَّقوا به قوله تعالى : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } [ النساء : 31 ] ، فإنهم زعموا أنها أخص وأبين من قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] ، وأبين من سائر ما ذكرنا ومن سائر ما نذكره من أدلة أهل السنة ، والجواب عليهم من وجوه :
الوجه الأول : وهو تمهيدٌ للتحقيق ( 1 ) ، أن ذلك لا يصح إلاَّ لو كان أهلُ الجنة من المسلمين نوعاً واحداً لا تفاضُلَ ولا اختلاف ، وأما مع صحة انقسامهم إلى قسمين كما في " الواقعة " و " الرحمن " وغيرهما ، وإلى ثلاثة أقسام كما في " التوبة " وغيرها ، ألا تراه يقول في بعضهم : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } [ التوبة : 102 ] ، ويقول في بعضهم : { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . . } إلى قوله : { والذين كفروا لهم نارُ جهنم . . } الآية [ فاطر : 32 - 36 ] . ويقول في آيةٍ : { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ( 25 )
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " التحقيق " .