ففسقوا ، وذلك أن المحذوف إذا دل عليه المنطوق وجب تقديره من جنسه .
ومثلهما قوله تعالى في الشفاعة : { من ذا الذي يشفع عنده إلاَّ بإذنه } [ البقرة : 255 ] ، وقوله : { إلاَّ من بعد أن يأذنَ الله لمن يشاء ويرضى } كلها في نفي الشفاعة من غير مشيئته ردّاً على المشركين في جهالاتِهم ، ولولا قبولُ الخاص وتقديمه على العامِّ ، لَوَجَبَ نفيُ الشفاعة عن المؤمنين لقوله تعالى : { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ } [ البقرة : 254 ] ، فكيف تُرَدُّ أخبار الشفاعة الصريحة الصِّحاح ، بل المتواترة عند أهل العلم التامِّ بالحديث لأجل عموماتٍ نزلت في ردِّ جهالات المشركين ، وما يجري هذا المجرى في الاحتجاج منهم والحساب عليهم قوله تعالى : { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّار } [ الزمر : 19 ] .
والجواب أنها عمومٌ ، وأن آية سورة مريم أخصُّ وأحاديث الشفاعة المتواترة وسائر أدلة أهل السنة ، ويوضح ذلك أن هذه فيمن حقَّتْ عليه كلمة العذاب كما هو بيِّن فيها ، وقد قال الله تعالى : { وكذلك حقت كلماتُ ( 1 ) ربك على الذين كفروا أنهم أصحابُ النار } [ غافر : 6 ] ، ولها نظائر ، وفي حديث الشفاعة الصحيح تقول الملائكة ( 2 ) : لم يبق في النار إلاَّ من حَبَسَهُ القرآن ( 3 ) ، يريد الكفار الموعودين بالخلود ، والآية التي احتجوا بها في " الزمر " وعقيبها قوله تعالى : { لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ } [ الزمر : 20 ] ، وبعدهما بيسير : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون } [ الزمر :
هامش
( 1 ) بالألف على الجمع ، وهي قراءه نافع وابن عامر ، وقرأ الباقون : " كلمة " بالإفراد .
انظر " حجة القراءات " ص 627 .
( 2 ) لم يرد في الصحيح أن هذا قول الملائكة كما أشار إليه ، وإنما هو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونصه : " فأقول : يا رب ، ما بقي في النار إلاَّ من حَبَسَه القرآن ، أي : وجب عليه الخلود " .
( 3 ) أخرجه البخاري ( 4476 ) و ( 6565 ) و ( 7410 ) ، ومسلم ( 193 ) ، وابن ماجة ( 4312 ) من حديث أنس .