الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } [ الأنعام : 70 ] ، فأوضح في آخرها أنها في الكفار .
وكذلك لا حجة لهم في قوله تعالى : { ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى } [ الأنبياء : 28 ] ، لأنها في شفاعة الملائكة ، ومن كانوا يُعبدون من دون الله ، لا في شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولأن مفعول " ارتضى " المحذوف هو المذكور قبله ، أي : لمن ارتضى أن يشفعوا له ؛ لا لمن ارتضى عمله باتفاق أهل العربية ، كما تقول : لا تُكْرِ دارَك ( 1 ) إلاَّ لمن ارتضيتَ ، أي : الكراء منه لا عمله ، وإنما هي كقوله : { ولا تنفع الشفاعة عنده إلاَّ لمن أذِنَ له } [ سبأ : 23 ] ، ويُشْبِهُها من وجهٍ قوله تعالى : { يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلاَّ من أذن له الرحمن ورَضِيَ له قولاً } [ طه : 109 ] ، فالمرضي مفعوله المأذون له هنا هو الشافع لا المشفوع له ، والمرضي في الأولى : هو الشفاعة نفسها ، وأما المشفوع له ، فلو كان مرضياً من كُلِّ وجه ، لكان بأن يكون شافعاً أنسب من أن يكون مشفوعاً له ، بل ذلك ثابتٌ في الحديث المتفق على صحته ، وفيه يقول الله : " شَفَعَتِ الملائكة ، وشَفَعَ الأنبياء ، وشفع المؤمنون ، ولم يبق إلاَّ أرحم الراحمين " الحديث ( 2 ) ، والعمدة دِلالة الفعل المذكور على المُضمرِ المُقَدَّر ، وهو إجماع أهل العربية ، وهذا الذي حمل الزمخشري ( 3 ) على تقدير : أمرنا مُترفيها بالفِسْقِ مجازاً ، لقوله بعده :
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " داري " .
( 2 ) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري الطويل : " هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة . . . " أخرجه البخاري ( 7439 ) ، ومسلم ( 183 ) . وقد تقدم تخريجه في الجزء الخامس .
( 3 ) " الكشاف " 2 / 354 . ونص كلامه { وإذا أردنا } وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلاَّ قليل أمرناهم ( ففسقوا ) أي : أمرناهم بالفسق ، ففعلوا والأمر مجاز ، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم : افسقوا ، وهذا لا يكون فبقي أن يكون مجازاً ، ووجه المجاز أنه صبَّ عليهم النعمة صباً ، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي ، واتباع الشهوات ، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه وإنما خولهم إيَّاها ليشكروا ، ويعملوا فيها الخير ، ويتمكنوا من الإحسان والبر كما خلقهم أصحاء أقوياء ، وأقدرهم على الخير والشر ، =