تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
{ وإني لَغَفَّارٌ لمن تاب وآمن } ، وهذه كلها في المشركين ، وكذا قوله : { وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له } [ الزمر : 54 ] ، من بعد قوله : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } [ الزمر : 53 ] يدل على أنها نزلت فيهم ، وأنهم المرادون بهذا الأمر بعدها ، فلو أراد الجميع لقال في هذه الآيات : إلاَّ من تاب أو آمن . ومن ذلك - وهو الثالث من أدلتهم - قوله تعالى في الحجرات [ 2 ] : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُون } وفيها حجةٌ للجميع على المرجئة إن سَلَّموا أن ذلك ليس بكفر ولا يؤول إلى الكفر ، لتضمُّنِه الاستهانة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذ قد صح أن الآية لم تنزل فيمن هو جهوريٌّ الصوت خِلقةً لا اختيار له فيها ، فروى موسى بن أنس ، عن أنس بن مالك ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتقد ثابت بن قيسٍ ، فقال رجل : أنا أعلم لك علمه ، فوجده جالساً في بيته منكّساً رأسه ، فقال : ما شأنك ؟ قال : شَرٌّ ، من كان يرفع صوته فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد حَبِطَ عمله ، وهو من أهل النار ، فأتى الرجل ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرجع المرة الثانية ببشارةٍ عظيمةٍ ، فقال : " اذهب إليه فقل له : إنك لست من أهل النار ، ولكن من أهل الجنة " رواه البخاري وحده في علامات النبوة ، وفي التفسير عن ابن المديني ، عن أزهر بن سعد ، عن ابن عون ، عن موسى ( 1 ) . فإن قيل : في هذا فَهِمَ ثابتٌ لما فهمته المعتزلة من ظاهر الآية ، وهو حجةٌ ، لأنه ( 2 ) عربي . قلنا : لا يصح ذلك مع بطلان ما فهمه بالنص النبوي الموافق لما فهمه أهل السنة ، وقد يَغْلَطُ العربي في فهمه كما غَلِطَ عدي بن حاتم في الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، وقال له - صلى الله عليه وسلم - : " إنك لعريض القفا " ( 3 ) .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) في ( ف ) : " وهو " . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1916 ) و ( 4509 ) و ( 4510 ) ، ومسلم ( 1090 ) ، والترمذي =