تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
ممكنٌ على وجهٍ صحيحٍ قريبٍ ، غير متعسفٍ ، وهو ما تقدم مثله في تأويلِ المجازِ المُجمَع عليه ، وما كان هذه صفته ، فهو ظني اجتهادي ، لا إثم فيه على المخالف ، فما وجه إدخال بعض متأخري المعتزلة لهذه المسألة في القطعيات ، وإن كان المرجُوُّ في أهل التحقيق منهم ألا يجهلوا ذلك ، ولم يُخَطِّئُوا فقهاء الإسلام وأئمة العلم في تفسيرهم للرقبة المؤمنة في كفارة القتل هي المقرة بالشهادتين ولا أثَّموا من قال بذلك مع اشتراط إيمانها في كتاب الله تعالى ، والعجب من ابن الحاجب أنه اقتصر على المعارضة في الجواب عليهم في " مختصر المنتهى " وهي من أنواع الجدل ، وليست من البراهين المقنعة . الوجه الثاني : أن الله تعالى لم يمنع من ابتغاء غير الإسلام مطلقاً ، إنما منع من ابتغى غير الإسلام ديناً ، فقيَّد المنع بأن يكون المطلوب ديناً كاملاً ، والإيمان الذي هو التصديق بالقلب فقط ليس بدينٍ كاملٍ ، ومن ابتغاه ، فلم يبتغ ديناً ، إنما ابتغى ركناً من أركان الدين ، وبعضاً من أبعاضه ، وذلك كمن ابتغى الصلاة دون سائر أركان الإسلام ، فإنها تصح منه عند الخصوم وتقبل . ولا يُشترط في صحة صلاة المسلم أن يصوم ويزكِّي ويحج ، وذلك الدين ، وكان يلزمُهم أن لا تصح صلاته وحدها ، لأنها - بإقرارهم - ليست بدينٍ ، ومن ابتغاها ، فقد ابتغى غير الإسلام ديناً ( 1 ) ، لأنه ابتغى بعضه ، والبعض غير الكل بالضرورة ، لكن الجواب الحق أنها تصح ، لأن الله تعالى إنما نفى قبول من ابتغى غيرَ الإسلام ديناً ، ولم يَنْفِ قبول من ابتغى فرضاً من فرائض الإسلام . والعجب من المعتزلة كيف احتجوا بهذا ، وقد أجمعنا وأجمعوا وأجمع المسلمون أن من شَهِدَ الشهادتين ، وآمن بقلبه ، وصدَّق ، وارتكب كبيرةً ، وأخلَّ بما ليس تركُه كفراً من الفرائض ، أنه قد صح إسلامه ، وغُفِرَتْ له ذنوب الكفر ، وصحَّت منه الطاعات ، فكان يلزمهم أن يخالفوا الإجماع في هذا ، ويقولوا : إنه باقٍ على الكفر ، وإنه لا يقبل منه إلاَّ كمال الإسلام ، للآية .
هامش
( 1 ) " ديناً " ساقطة من ( ش ) .