أُمَّته حواريون وأصحابٌ يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعده خُلُوفٌ ، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده ، فهو مؤمنٌ ، ومن جاهدهم بلسانه ، فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه ، فهو مؤمنٌ ، ليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خردلٍ " . رواه مسلم ( 1 ) .
على أن حديث " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ، والمؤمن من أمنه الناس " ( 2 ) لو لم يتأوَّل بما ذكرنا ، لاستلزم الرجاء ، لأن ذلك قد بَغَّضَ أهل الكبائر ، والله أعلم .
وهذه الأخبار الفارِقَة بين كمال الإيمان والإسلام ونقصانهما على صحة تأويل الآية المتقدمة بما ذكرته ولله الحمد ، بل هو هو ، فإن الأحاديث التي فيها أن " المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده " كالآية سواءٌ في قصر المسلمين كلهم على أهل هذه المرتبة الرفيعة . والأحاديث الأخرى دالةٌ على أن معنى تلك قصر خيار المسلمين على ذلك ، وهذا التأويل قريبٌ كثيرٌ مستعمل ، كما نقول : إنما العلماء العاملون ، وإنما المال الحاصل ، وإنما القوي الصَّبورُ عند الغضبِ .
والقصد بتمهيد هذا في هذا المقام المُجمَع عليه أن يعجَبَ من إنكار المعتزلة لهذا بعينه على جهة القطع ، مع إجماعهم على صحته هنا ، حيث يأتي جواباً عليهم فيما يحتجُّون به الآن وأدناه من صاحب الكبيرة .
فصل في ذكر أدلة المعتزلة :
على ما ادعوا من ثبوت الأسماء الدينية ، وقد اتفقتِ المعتزلة وأكثرُ أهلِ السنة على إثبات الأسماء الشرعية ، كالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، وخالف بعض أهل العلم في ذلك ، وقال : إنها استُعْمِلَتْ في معانيها اللغوية ، مع زياداتٍ وشروطٍ ، وذهبت المعتزلة ومن وافقهم إلى إثبات الأسماء الدينية في
هامش
( 1 ) برقم ( 50 ) .
( 2 ) تقدم غير مرة .