تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
الوجه الثالث : وهو التحقيق أن الدلالات تنقسم إلى دلالةٍ مُطابَقَةٍ ، وهي اللغويَّة ، ودلالة تضمُّن ودلالة التزام ( 1 ) ، وهما عقليتان ، فدلالة الإسلام على الإيمان دلالة تضمن أو التزام ، لأنه إما بعضه كالرأس من الإنسان ، أو شرطه كالوضوء والنِّيَّة من الصلاة ، فمن ابتغاه ، فقد ابتغى أساس الإسلام والدين الذي ينبني عليه ، أو رأس الإسلام والدين ، فهو مقبول ، ولم يَصْدُق عليه أنه ابتغى غير الإسلام ديناً ، لأن الدين في دلالة المطابقة اللغوية هو المجموع لا البعض ، ومعنى الآية : من ابتغى ديناً غير الإسلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية ، لا من ابتغى فريضةً من فرائض الإسلام تقرُّباً إلى الله . والذي غرَّهم أنهم لم يفهموا لقوله ديناً ثمرة ، بل جعلوا وجوده كعدمه ، وهذا لا يكون في كلام البُلغاء ، كيف كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين . ونظير هذا قولنا : من ابتغى غير العلماء قدوةً ، أو غير الثقات راوياً ، فقد ضلَّ ، فإنه لا يلزم الضلال من ابتغاء غير العلماء والثقات خادماً أو زوجة أو بغلاً أو حماراً ، فكذلك من ابتغى غير الإسلام مسجداً ، أو وِرْداً ، أو ذكراً ، أو خشوعاً ، أو تصديقاً ، لم يلزم ألا يقبل منه ، وإن لم يكن شيء من ذلك وحده يُسَمَّى ديناً كاملاً وإسلاماً تاماً . فهذه الوجوه كلها على تقدير تسليم المقدمات كلها إلاَّ الأخيرة ، وهي أن الإسلام هو الإيمان ، ويكمُنُ النِّزاع في المقدمة الأولى ، وهي قولهم : إن الدين هو مجموع العبادات ، فإن ذلك ممنوعٌ ، ودليل المنع قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [ المائدة : 54 ] . وقد أجمعت الأمة على أن من ترك بعض العبادات غير مستحلٍّ لذلك ، فليس بمرتدٍّ . إذا تقرَّر هذا ، فيُحتَمَلُ أن للدين كمالاً ، وهو المجموع ، وأن يكون أقلُّه هو الذي حكم بِرِدَّةِ من تركه ، ولئن سلمنا أن الدين هو مجموع تلك الأمور ( 2 ) ، لكن
هامش
( 1 ) في ( ف ) : " إلزام " . ( 2 ) " تلك الأمور " ساقطة من ( ف ) .